آخر الأخبار

استهجان واسع إثر مطالبة كردستان الحكومة الاتحادية بتعويضات عن جرائم صدام

بغداد – إيجاز

أعادت حكومة إقليم كردستان فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقة مع بغداد، بعد مطالبتها بتعويضات مالية ضخمة عن جرائم النظام السابق بحق الكرد، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة ضغط سياسية محسوبة، أكثر من كونها مساراً قانونياً قابلاً للتنفيذ، خصوصاً أنها تُطرح بعد أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق، وفي ذروة أزمة مالية وإدارية بين الطرفين.

وطالبت أربيل، في بيان رسمي، الحكومة الاتحادية بدفع 384.6 مليار دولار، تعويضاً عن أضرار قالت إنها لحقت بالإقليم خلال فترة حكم حزب البعث بين عامَي 1963 و2003. ورغم جسامة الجرائم التي ارتُكبت بحق الكرد، إلا أن توقيت إعادة إحياء هذا المطلب أثار موجة تشكيك واسعة، ولا سيما أنه يتزامن مع تصاعد الضغوط على الإقليم للكشف عن إيراداته النفطية وغير النفطية، وآليات إدارتها، ومصير الأموال التي لم تُسلَّم إلى الخزينة الاتحادية.

لماذا الآن؟

يتساءل نشطاء ومدونون عراقيون عن سبب إعادة فتح ملف التعويضات في هذا التوقيت تحديداً، معتبرين أن القضية تُستخدم كورقة سياسية للرد على إجراءات بغداد المتعلقة بملف الرواتب والنفط، أكثر من كونها سعياً حقيقياً لتحقيق العدالة الانتقالية. ويشير هؤلاء إلى أن أربيل سبق أن طرحت المطلب نفسه عام 2013، لكنها لم تتابعه قانونياً أمام محاكم دولية أو آليات تحكيم معترف بها، ما يضع علامات استفهام حول جدية المسار الحالي.

ويرى مدونون أن طرح رقم فلكي بهذا الحجم، في وقت تعاني فيه الدولة العراقية من أزمات مالية متراكمة، يعكس خطاباً سياسياً يتعامل مع الإقليم وكأنه دولة مستقلة تفاوض دولة أخرى، لا كجزء من منظومة اتحادية واحدة تشترك في الحقوق والالتزامات.

ازدواجية الخطاب

ينتقد مراقبون ما يصفونه بازدواجية الخطاب في موقف حكومة الإقليم، إذ تطالب بغداد اليوم بتحمّل مسؤولية جرائم نظام سابق، في حين ترفض، في الوقت نفسه، الخضوع الكامل للرقابة الاتحادية على مواردها النفطية والمنافذ الحدودية، أو تسليم الإيرادات وفق ما ينص عليه الدستور.

ويشير هؤلاء إلى أن الحديث عن «الحقوق التي لا تسقط بالتقادم» يقابله تجاهل متكرر لالتزامات دستورية راهنة، أبرزها إدارة النفط والغاز بشكل مشترك، وتسليم العائدات إلى الحكومة الاتحادية قبل المطالبة بالمستحقات المالية.

أرقام محل تشكيك

أثار الرقم المعلن للتعويضات، وهو 384.6 مليار دولار، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية. ويقول اقتصاديون ومدونون إن المقارنة بتعويضات الكويت بعد غزو عام 1990 غير دقيقة، لأن تلك التعويضات صدرت بقرارات دولية ملزمة، وبإشراف لجنة أممية مختصة، بينما لم يصدر أي قرار دولي مماثل بشأن تعويضات داخلية بين مكوّنات الدولة العراقية.

كما يشكك آخرون في آليات احتساب الأضرار، متسائلين عن سبب القفز من تقدير أضرار مادية بنحو عشرات المليارات، إلى مطالبة بتعويضات تتجاوز 380 مليار دولار، من دون نشر دراسات مستقلة أو تقارير دولية محايدة تدعم هذه الأرقام.

بارزاني والملف السياسي

ويربط نشطاء هذا التصعيد الخطابي بالسياق السياسي الأوسع في الإقليم، ولا سيما مع استمرار سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني على القرار الاقتصادي والنفطي، في ظل غياب شفافية واضحة بشأن حجم الصادرات السابقة، والعقود النفطية، وإيرادات المنافذ الحدودية.

ويذهب بعض المراقبين إلى أن إعادة طرح ملف التعويضات يهدف إلى إعادة توجيه النقاش العام، وصرف الأنظار عن أسئلة داخلية محرجة تتعلق بإدارة الموارد، وتأخر الرواتب، وتراجع الخدمات، وتحميل بغداد مسؤولية الأزمات المتراكمة داخل الإقليم.

دولة داخل دولة؟

في مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر مدونون عن قلقهم من الخطاب المتصاعد الذي يتعامل مع بغداد بوصفها «طرفاً خارجياً»، محذرين من أن هذا النهج يعمّق الانقسام داخل الدولة، ويحوّل الملفات الحقوقية المشروعة إلى أدوات صراع سياسي. ويؤكد هؤلاء أن العدالة لضحايا جرائم النظام السابق لا تتحقق عبر بيانات إعلامية وأرقام صادمة، بل عبر مسارات قانونية واضحة، ومصارحة داخلية، والتزام متبادل بالدستور.

وفي ظل غياب أي تحرك قانوني دولي فعلي حتى الآن، تبقى مطالبة أربيل بالتعويضات، بنظر منتقديها، أقرب إلى رسالة ضغط سياسية منها إلى مشروع قابل للتطبيق، في وقت تبدو فيه العلاقة بين بغداد وأربيل أحوج ما تكون إلى حلول مؤسساتية، لا إلى تصعيد جديد يعيد إنتاج منطق الدولة داخل الدولة.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد