
بغداد – ايجاز
أعاد غياب أي فوز للقوى المدنية والتشرينية في الانتخابات العراقية الأخيرة طرح الأسئلة حول مستقبل هذا التيار، وما إذا كانت الخسارة تمثل أزمة داخلية عميقة، أم نتيجة منظومة انتخابية صيغت لصالح القوى التقليدية.
فبعد دورتين شهدتا صعوداً لافتاً للمرشحين المدنيين، جاءت انتخابات 2025 لتنسف كل المكاسب السابقة، وتخرج التيارات المدنية تماماً من خارطة التمثيل البرلماني. ويُرجع مراقبون ذلك إلى تراجع الثقة الشعبية، وابتعاد جمهور المدن عن صناديق الاقتراع، مقابل أدوات مالية وتنظيمية قوية تمتلكها الكتل النافذة.
تكشف نتائج بغداد وواسط وغيرها من المحافظات عن انكماش واضح لقاعدة التيارات المدنية، إذ لم تتمكن أي من قوائمها من تجاوز العتبة الانتخابية، رغم حملات ميدانية نشطة. كما دخلت القوى المدنية السباق وهي منقسمة على عدة تحالفات، ما أدى إلى تفتيت الأصوات وتوزيعها على قوائم صغيرة لم تستطع تجميع الحد الأدنى للفوز.
شهدت البيئة المدنية خلال السنوات الماضية سلسلة تحولات أضعفت حضورها، أبرزها انتقال بعض الوجوه المدنية إلى تحالفات تقليدية، ما خلق شعوراً بالخيبة لدى السكان في المدن، ودفع شريحة واسعة إلى العزوف عن التصويت. كما عانت هذه القوى من غياب رؤية موحدة، واستمرار نمط إداري تقليدي داخل بعض أحزابها، ما عمّق الفجوة بينها وبين الشباب.
تواجه القوى المدنية أزمة في أدواتها التنظيمية والميدانية، إذ تفتقر إلى شبكات دعم اجتماعي راسخة أو إمكانات مالية تساعدها في مواجهة الحملات الواسعة للقوى التقليدية. كما أن بعض مرشحيها دخلوا الانتخابات من دون قاعدة اجتماعية قوية، ما جعل حضورهم ضعيفاً في الدوائر الانتخابية.
مع اعتماد صيغة “سانت ليغو” المعدّلة، ضاقت مساحة القوائم الصغيرة، وأصبحت بحاجة إلى أعداد كبيرة من الأصوات لدخول المنافسة، وهو ما لم يتحقق في ظل تشتت الأصوات المدنية وارتفاع حجم الكتل الكبيرة. كما ساهم المال السياسي في تعزيز أفضلية الأحزاب التقليدية، ما جعل البيئة الانتخابية أقل عدالة للقوى الناشئة.
تبدو النتيجة النهائية طبيعية ضمن السياق العام للتحولات السياسية، فالقوى المدنية لم تتمكن من الحفاظ على الزخم الذي حققته في موجات الاحتجاج السابقة، ولم تستطع بناء جسور ثقة جديدة مع جمهورها. ومع دخولها الانتخابات بخطاب غير موحد، ومرشحين بقدرات محدودة، وأدوات تنظيمية ضعيفة، واجهت كتلاً تمتلك نفوذاً واسعاً، وخبرة انتخابية طويلة، وآليات عمل متماسكة.