آخر الأخبار

بعيداً عن الخلافات السياسية… مشروع إقليم البصرة يدخل مرحلة التواقيع

بغداد – ايجاز

بينما تنشغل القوى السياسية العراقية بخلافاتها حول تشكيل الحكومة وتوزيع النفوذ، عاد ملف تشكيل إقليم البصرة إلى الواجهة، لكن هذه المرة عبر مسار دستوري وإجرائي واضح، بعد الشروع بإطلاق استمارات جمع التواقيع الخاصة بالمشروع، في خطوة أعادت تحريك ملف ظل معلقاً لسنوات طويلة.

وجرى الإعلان عن الاستمارة من خلال مكتب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في البصرة، قبل أن تُتداول صورها على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، ما عكس بدء مرحلة إجرائية جديدة ضمن الآليات الدستورية التي ينص عليها قانون تشكيل الأقاليم، وانتقال الملف من دائرة الطرح النظري إلى حيّز التنفيذ العملي.

وبحسب القائمين على المشروع، فإن المسار القانوني انطلق بالحصول على استمارة رسمية معتمدة من المفوضية، استناداً إلى قانون رقم (13) لسنة 2008، تمهيداً لجمع تواقيع الناخبين المؤيدين لتشكيل الإقليم. وتشمل المرحلة الأولى جمع تواقيع ما نسبته 2 بالمئة من مجموع ناخبي المحافظة، أي أكثر من 32 ألف ناخب من أصل نحو مليون و600 ألف ناخب، على أن تُقدم هذه التواقيع إلى المفوضية لتدقيقها أصولياً.

وكانت جهات مدنية قد أعلنت البدء بإجراءات تشكيل إقليم البصرة وفق المادة (119) من الدستور العراقي، مؤكدة الشروع بالمسار القانوني عبر مفوضية الانتخابات وجمع تواقيع الناخبين، تمهيداً للانتقال لاحقاً إلى مرحلة الاستفتاء العام.

وبعد استكمال المرحلة الأولى، من المقرر أن تفتح المفوضية باب جمع تواقيع 10 بالمئة من الناخبين عبر مراكز تسجيل مماثلة لتلك المعتمدة في الانتخابات ولمدة شهر كامل، وهي المرحلة التي تسبق الذهاب إلى الاستفتاء العام. ويؤكد الداعمون للمشروع أن الهدف يتمثل في إدارة الموارد المحلية بصورة مباشرة وشفافة، وبما يحقق تنمية أكثر فاعلية للمحافظة.

وتعود فكرة إقامة إقليم البصرة إلى ما بعد عام 2003، حيث طُرحت في سياق النقاشات المتعلقة بطبيعة النظام الاتحادي في العراق، قبل أن تتجدد على فترات متباعدة مع تصاعد الأزمات الخدمية والاقتصادية في المحافظة. وشهدت الأعوام 2008 و2015 محاولات فعلية للسير بهذا المسار، إلا أن الإجراءات توقفت في مراحل لاحقة نتيجة اعتبارات إدارية وسياسية.

ويأتي تحريك ملف الإقليم في وقت شهد فيه مجلس محافظة البصرة خلافات داخلية، تمثلت بانسحاب عدد من الأعضاء من تحالف تصميم وتشكيل كتلة جديدة، قبل أن تعود الأمور لاحقاً إلى مسار التفاهم السياسي داخل المجلس. غير أن ناشطين مؤيدين للمشروع يؤكدون أن هذا التحرك لا يرتبط بالخلافات المحلية أو بمسار تشكيل الحكومة الاتحادية، بل هو نتاج عمل متواصل منذ عدة أشهر.

ويشير مؤيدو المشروع إلى أن توقيت إطلاق الاستمارات لا يحمل أبعاداً سياسية، مؤكدين أن التحرك الحالي جماهيري بحت، يستند إلى نصوص دستورية وإجراءات قانونية واضحة، ولا يرتبط بحسابات الكتل السياسية أو التفاهمات داخل المجالس المحلية.

من جهتها، تؤكد السلطات المحلية في البصرة أن مشروع الإقليم يندرج ضمن الإطار الدستوري لإنشاء إقليم إداري بصلاحيات واسعة ضمن الدولة الاتحادية، وبما لا يتعارض مع وحدة العراق أو صلاحيات الحكومة المركزية في إدارة الملفات السيادية، نافية وجود أي توجهات انفصالية.

ويرى باحثون في الشأن السياسي أن محافظات أخرى قد تتجه مستقبلاً نحو خطوات مماثلة، معتبرين أن النظام الاتحادي بحد ذاته لا يمثل إشكالية، بل قد يسهم في تفكيك مركزية إدارة الأموال والمقدرات، بما يمنح الحكومات المحلية قدرة أكبر على تنفيذ مشاريعها وتلبية احتياجات مجتمعاتها.

ويؤكد مختصون أن جوهر الإشكال لا يكمن في النظام الاتحادي، وإنما في ضعف البنية الديمقراطية وآليات الرقابة، محذرين من أن غياب هذه الآليات قد يشكل تحدياً أمام إدارة السلطات المحلية مستقبلاً، رغم أن الاتجاه نحو الفيدرالية يمثل محاولة لمعالجة الخلل القائم في إدارة الدولة.

ويندرج مشروع إقليم البصرة ضمن الإطار الدستوري الذي أقره دستور عام 2005، والذي نص على أن العراق دولة اتحادية، ومنح المحافظات حق تكوين الأقاليم وفق آليات محددة، كما نظم قانون إجراءات تشكيل الأقاليم الخطوات التنفيذية الخاصة بتقديم الطلب وجمع التواقيع والاستفتاء باعتبارها الطريق الحصري لحسم هذا الخيار.

ويؤكد خبراء قانونيون أن الدستور، ولا سيما المادة (119)، كفل حق المحافظات في تكوين الأقاليم سواء عبر طلب يقدمه ثلثا أعضاء مجلس المحافظة أو عبر طلب شعبي يقدمه عُشر الناخبين، مشيرين إلى أن الإجراءات الحالية في البصرة تسير ضمن هذا المسار المتدرج الذي يضمن الجدية ويمنع الفوضى.

وفي السياق ذاته، تأتي هذه التحركات في ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية في عدد من مناطق البصرة، على خلفية تفاقم أزمة ملوحة المياه وتدهور الواقع الخدمي، فضلاً عن اتهامات بالفساد طالت مسؤولين محليين، في محافظة تُعد من أغنى مناطق البلاد بالثروات النفطية وتشكل ركيزة أساسية في تمويل الموازنة العامة.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد