
بغداد – ايجاز
اعتقد جومان (46 عاماً) من مدينة السليمانية أن ضيق التنفس الذي عانى منه مطلع كانون الثاني/يناير 2025 مجرد عارض عابر. واصل عمله في متجره للمواد الغذائية بسوق شارع 30 دون اكتراث، قبل أن تسقطه نوبة آلام حادة في الصدر أفقدته الوعي، لينقل إلى المستشفى. هناك شخّص الأطباء حالته بتلف جزء من إحدى الرئتين نتيجة ضيق تنفّس حاد، مرجّحين أن يكون التدخين، ولا سيما السجائر الرديئة، سبباً مباشراً.
يقول جومان إن معاناته بدأت عندما استبدل السجائر الأجنبية التي اعتاد تدخينها منذ سنوات بنوع محلي الصنع منخفض السعر. يضيف: «أنا مدخن منذ عشرين عاماً، لكن خلال العامين الأخيرين، ومع السجائر المحلية، بدأت نوبات السعال الليلي والإرهاق وعدم القدرة على المشي لمسافات طويلة». يؤكد أنه لم يشعر بأعراض مماثلة قبل التحول إلى تلك الأنواع الرخيصة المنتشرة على نطاق واسع.
تنتشر في أسواق إقليم كردستان والمحافظات المجاورة أنواع متعددة من السجائر، بينها ماركات عالمية مستوردة وأخرى مقلدة محلية الصنع لا تخضع لمعايير الجودة أو لشروط النقل والتخزين. كما تختلط السجائر التي تدخل رسمياً بعد فحوصات نوعية بأخرى تُهرّب عبر الحدود دون رقابة، ما يشكل خطراً متزايداً على الصحة العامة.
زيارة أقسام الأمراض الصدرية في مستشفيات السليمانية وأربيل تكشف تزايد حالات مرضى يشتركون في تاريخ تدخين سجائر رديئة الثمن. بعضهم يرى نفسه ضحية شبكات تصنيع وتهريب تعمل بعيداً عن القانون، وتتمتع بحماية وتسهيلات من جهات نافذة، وفق روايات متطابقة من عاملين في السوق.
عاملون في تجارة السجائر، طلبوا عدم كشف هوياتهم، يؤكدون أن أخطر الأنواع هي تلك التي تُصنّع سراً ولا تُعرف مكوناتها. ويشيرون إلى استخدام أساليب مضللة للتصنيع في مواقع غير متوقعة، مثل مستودعات أو منشآت تحمل واجهات صناعية أخرى. وتُدخل هذه السجائر إلى الأسواق دون دفع ضرائب، أو تُعاد تعبئتها على أنها ماركات عالمية.
أعضاء في برلمان إقليم كردستان تحدثوا عن تحوّل الإقليم إلى ساحة لعمليات تهريب وإعادة تصنيع غير قانونية، بينها السجائر. ويؤكدون أن ذلك يحرم الخزينة من إيرادات كبيرة كانت تُجبى من الاستيرادات النظامية. ويشيرون إلى وجود طرق إدخال غير رسمية تُفرض عبرها رسوم أقل من الضرائب المقررة، ما أدى إلى تراجع عائدات الضرائب إلى مستويات شبه معدومة خلال الفترة الأخيرة.
مصادر أمنية مطلعة كشفت عن وجود مصانع للسجائر المقلدة في محافظات السليمانية وأربيل ودهوك، تُنتج علامات تجارية عالمية بنوعيات رديئة وتوزّع داخل الإقليم وخارجه. وتؤكد هذه المصادر أن نقل السجائر بين المحافظات يخضع لقيود مشددة، ولا يُسمح للمواطنين بحمل أكثر من عدد محدود من العلب، فيما تمر الكميات التجارية عبر ترتيبات خاصة.
اقتصادياً، يقدّر خبراء حجم الإيرادات السنوية لهذه الصناعة غير الشرعية بنحو مليار دولار، تُستثمر محلياً ويُودع جزء منها خارج البلاد. ويؤكدون أن فارق السعر الكبير بين المنتج الأصلي والمقلد يغري التجار والمستهلكين على حد سواء، رغم المخاطر الصحية المعروفة.
تمتد شبكة التهريب إلى محافظات عراقية أخرى، حيث تُباع السجائر المقلدة بأسعار منخفضة مقارنة بالأصلية، ما أضرّ بالتجارة النظامية وصعّب على المستهلكين التمييز بين المنتجين. كما تشير شهادات إلى عبور هذه السجائر إلى دول الجوار ضمن شبكات تهريب متبادلة.
في ظل هذا المشهد، يدعو نواب وناشطون إلى تفعيل الرقابة التشريعية والتنفيذية، وتشديد الضوابط على الاستيراد والتصنيع، وحماية الصحة العامة من منتجات مغشوشة. أما جومان، الذي مُنع من التدخين ويخضع لعلاج طويل، فيختصر القلق قائلاً: «حصلتُ على فرصة جديدة للحياة، لكن ماذا عن آلاف المدخنين الذين لا يعرفون حجم الخطر الذي يواجهونه يومياً؟»