
بغداد – إيجاز
خلال أيام قليلة تحوّلت سماء هولير إلى فضاء إنذار دائم، بعد أن أطلقت إيران أكثر من 70 صاروخاً وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة ومحيطها، ضمن موجة تصعيد إقليمي مفتوحة بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى. غير أن ما وضع هولير في قلب الاستهداف لم يكن مجرد موقع جغرافي، بل مسار سياسي وأمني طويل انتهجه الحزب الديمقراطي الكردستاني، رسّخ من خلاله حضوراً عسكرياً أميركياً كثيفاً داخل الإقليم، وجعل المدينة نقطة تماس مباشرة في صراع لا تملك قراره.
خلال الساعات الماضية، عاشت المدينة أجواء استثنائية. طائرات استطلاع حلّقت بكثافة، وصواريخ عبرت أجواء مناطق عدة من محافظة هولير، بينها طقطق، فيما دوّت صافرات الإنذار في محيط مطار هولير الدولي مع رصد هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة.
سُمعت انفجارات متتالية في أحياء مختلفة، قبل أن يتبيّن أنها ناجمة عن عمليات اعتراض نفذتها منظومات الدفاع التابعة لقوات التحالف الدولي. واستهدفت الهجمات محيط القنصلية الأميركية في هولير، إضافة إلى منشآت عسكرية في منطقة حرير شمال المدينة.
وأعلن جهاز مكافحة الإرهاب في إقليم كردستان أن قوات التحالف تمكّنت من إسقاط عدد من الصواريخ والطائرات المسيّرة قبل وصولها إلى أهدافها، إلا أن مشهد السماء المشتعلة رسّخ واقعاً جديداً: هولير باتت في مرمى النيران المباشرة.
التصعيد لم يبقَ في الإطار العسكري. وزارة الثروات الطبيعية ووزارة الكهرباء في الإقليم أعلنتا أن شركة دانة غاز أوقفت تصدير الغاز من حقل كورمور نتيجة الظروف الأمنية، ما أدى إلى تراجع القدرة الإنتاجية للكهرباء بما يتراوح بين 2500 و3000 ميغاواط، بعدما كانت تنتج بين 4200 و4500 ميغاواط في أوقات الذروة.
هذا الانخفاض الحاد كشف هشاشة البنية الاقتصادية أمام أي تصعيد أمني، وأعاد طرح أسئلة حول جدوى ربط الأمن الاقتصادي للإقليم بمعادلات عسكرية خارجية. فكل صاروخ يمر في سماء هولير لم يعد تهديداً عسكرياً فقط، بل ضربة محتملة لقطاع الطاقة والخدمات الأساسية.
لم تتحول هولير إلى هدف عابر. فخلال السنوات الماضية، تبنّى الحزب الديمقراطي الكردستاني سياسة تعميق التحالف مع الولايات المتحدة، واعتبر الوجود الأميركي ركيزة ثابتة لأمن الإقليم. هذه العلاقة تجاوزت التنسيق السياسي والدعم العسكري التقليدي، لتصل إلى منح تسهيلات واسعة لإنشاء قواعد ومواقع عسكرية ومنشآت لوجستية داخل الإقليم.
بفعل هذه السياسة، تحوّلت هولير إلى مركز رئيسي للوجود الأميركي في العراق، تنتشر فيه منشآت عسكرية قرب المطار وفي مناطق أخرى، إلى جانب القنصلية الأميركية التي تُعد من أكبر المنشآت الدبلوماسية لواشنطن في الشرق الأوسط.
منتقدو هذه السياسة يرون أن الحزب الديمقراطي وضع الإقليم في موقع متقدم ضمن الاستراتيجية العسكرية الأميركية، من دون تحصين الجبهة الداخلية سياسياً أو أمنياً، ومن دون حساب كلفة تحويل مدينة مدنية إلى نقطة ارتكاز عسكرية في صراع إقليمي مفتوح.
الحزب الديمقراطي لطالما قدّم علاقته بواشنطن بوصفها شراكة استراتيجية تقوم على أربعة محاور: التعاون الأمني ضد تنظيم “داعش”، الدعم السياسي لحكومة الإقليم، الوجود العسكري والاستشاري الأميركي، والتعاون الاقتصادي والاستثماري.
غير أن تطورات الأيام الأخيرة أعادت توصيف هذه العلاقة في نظر كثيرين من “شراكة” إلى ما يشبه الارتهان الأمني، إذ باتت المدينة تدفع ثمن هذا التموضع المتقدم. فالقواعد التي وُصفت سابقاً بأنها ضمانة للاستقرار، تحوّلت عملياً إلى أهداف مباشرة في أي تصعيد بين واشنطن وطهران.
ويرى مراقبون أن الإقليم لم ينجح في تحقيق توازن بين علاقته بالولايات المتحدة ومتطلبات النأي بالنفس عن صراعات المنطقة، بل اختار الاصطفاف الواضح، ما جعل هولير ضمن بنك الأهداف في أي مواجهة غير مباشرة.
التحالفات السياسية والعسكرية التي نسجها الحزب الديمقراطي خلال العقد الأخير منحت واشنطن موطئ قدم قوي داخل الإقليم، لكنها في المقابل نقلت خطوط المواجهة إلى قلب المدينة. ومع كل موجة تصعيد، تتكرّس صورة هولير كقاعدة أمامية، لا كمدينة بعيدة عن الاشتباك.
النتيجة أن سكان المدينة يعيشون اليوم تداعيات قرار سياسي لم يشاركوا في صياغته. فالقواعد والمنشآت الأجنبية، مهما وُصفت بأنها “عامل استقرار”، تبقى أهدافاً عسكرية في منطق الصراعات الإقليمية.
وبينما يستمر الحزب الديمقراطي في الدفاع عن سياساته بوصفها خياراً استراتيجياً لحماية الإقليم، تكشف الأحداث الأخيرة أن هذا الخيار حمّل هولير كلفة عالية، وجعلها ساحة تتقاطع فيها صواريخ الآخرين، في صراع أكبر من حدودها وإمكاناتها.