
بغداد-ايجاز
في قلب مشهد إقليمي يزداد توترًا، اخترق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جدار الجمعية العامة للأمم المتحدة بخطاب حمل رسائل مباشرة إلى إيران والفصائل العراقية، واضعًا العراق من جديد أمام مفترق طرق محفوف بالاحتمالات.
وبينما فضّلت معظم الفصائل الصمت، خرجت حركة النجباء وحدها لتعلن استعدادها لمعادلة “تحرم إسرائيل النوم”، في خطوة قد تفتح الباب أمام مواجهة سياسية وأمنية غير محسوبة.
نتنياهو، وفي خطابه الصاخب مساء الجمعة، شدد على “ضرورة إكمال المهمة ضد حركة حماس في غزة”، وحذّر من امتدادات الصراع نحو العراق، مؤكداً أن الفصائل العراقية ما زالت تحت الردع، وأن أي محاولة لاستهداف إسرائيل “ستُواجَه برد قاسٍ”.
ولم يكتفِ بذلك، بل وجّه تهديدًا صريحًا إلى كبار القادة العسكريين والعلماء الإيرانيين المسؤولين عن تطوير القدرات النووية، متوعدًا إياهم بالمصير نفسه الذي واجهه من سبقهم. كما عرض خريطة للشرق الأوسط ملونة باللون الأحمر لتوضيح ما أسماه “محور إيران”، في قاعة شبه خالية من الحضور.
في المقابل، جاء رد حركة النجباء سريعًا، عبر المتحدث باسمها حسين الموسوي، الذي اعتبر أن “نتنياهو يسعى للهروب من واقع الهزيمة والعزلة”، مضيفًا أن الحركة “تمتلك خيارات عدة” وأنها سبق وأن اختُبرت قوتها في مواقع حساسة.
أما عضو المجلس السياسي للحركة فراس الياسر، فانتقد ما اعتبره تناقضًا في خطاب نتنياهو، متسائلًا: “إذا كنتم قد دمرتم سلاح المقاومة في العراق، فلماذا تخافون من هجماته؟”، قبل أن يختتم بالقول إن “سلاح المقاومة العراقية حرم إسرائيل من النوم”.
اللافت أن النجباء كانت الفصيل العراقي الوحيد الذي علّق على خطاب نتنياهو، في وقت لم تُصدر فيه بقية الفصائل أي موقف رسمي حتى الآن. وتنفرد النجباء عن غيرها بكونها غير منخرطة في مشروع سياسي، ما يمنحها هامشًا أوسع في التصعيد الإعلامي.
في خضم هذا السجال، أعاد زعيم تحالف “البديل” عدنان الزرفي التحذير من “انهيار العراق إذا لم يُبْنَ عقد سياسي جديد يدمج الحشد الشعبي في مؤسسات الدولة”، مشيرًا إلى أن واشنطن تبعث برسائل متكررة تدعو لإبعاد الأحزاب المسلحة عن الانتخابات المقبلة.
وأكد الزرفي أن تفعيل “آلية الزناد” ضد إيران – وهو التعبير المستخدم للإشارة إلى عودة العقوبات الأممية – سيكون الخطر الأكبر على العراق واقتصاده.
تزامن ذلك مع حالة من التوتر المكتوم بين الفصائل ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني، على خلفية البيان الأخير لحلف الناتو، والذي اعتبرته الفصائل تنكرًا لتفاهمات سابقة معها.
ويزيد من حدة المشهد إعلان وزارة الخارجية الأمريكية، في 17 أيلول الجاري، تصنيف أربع فصائل عراقية على لائحة “المنظمات الإرهابية الأجنبية”، وهي: حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وحركة أنصار الله الأوفياء، وكتائب الإمام علي. خطوة رأت فيها أوساط سياسية عراقية تمهيدًا لمزيد من الضغوط الداخلية والخارجية.
مصادر سياسية مطلعة كشفت كذلك عن تحذير مباشر نقله القائم بالأعمال الأمريكي في بغداد، جوشوا هاريس، إلى زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، حول احتمال تنفيذ إسرائيل ضربة عسكرية داخل العراق تستهدف مقار ومكاتب مرتبطة بالفصائل. تحذير يضاف إلى قائمة مؤشرات متزايدة على أن العراق قد يتحول إلى ساحة مفتوحة في أي مواجهة إقليمية قادمة.
مواقف الفصائل العراقية لم تكن جديدة في هذا السياق؛ فعضو حركة النجباء مهدي الكعبي أكد منتصف آب الماضي أن “سلاح المقاومة لن يسلم لا في لبنان ولا في العراق”، مبينًا أن الفصائل ستبقى متمسكة به حتى بعد انسحاب القوات الأمريكية.
موقف يعكس قناعة راسخة لدى فصائل بارزة مثل كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء وحركة أنصار الله الأوفياء، بأن لا حل أمام الضغوط الأمريكية سوى التمسك بالنهج نفسه، والاستعداد للمواجهة إذا اقتضى الأمر.
ومع هذا التصعيد، تبدو الأسئلة مفتوحة حول قدرة العراق على النجاة من عاصفة جديدة قد تنقله إلى قلب الصراع، خاصة في ظل تقاطع الضغوط الدولية مع الانقسامات الداخلية، وصعوبة الفصل بين موازين القوى الإقليمية وما يجري على الأرض العراقية.