
مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقرّر إجراؤها في العراق في 11 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، تتجه الساحة السياسية نحو تصعيد غير مسبوق في الخطاب الانتخابي، يعكس حجم التنافس بين القوى التقليدية التي تحكمت بالمشهد منذ عام 2003، وبين قوى ناشئة تحاول اقتحام المشهد ببرامج إصلاحية جديدة.
وبات واضحاً أن الكتل السياسية الكبرى اعتمدت خلال الأيام الأخيرة لغة أقرب إلى “لغة المعركة” منها إلى “لغة الانتخابات”، إذ تصف المرحلة المقبلة بأنها “معركة وجود” و”اختبار وطني”، بينما تسعى لإعادة تعبئة جمهورها التقليدي بعد سنوات من تراجع الثقة الشعبية، وتنامي مشاعر السخط بين فئات شبابية واسعة ترى أن الطبقة السياسية القديمة عجزت عن تقديم حلول حقيقية لأزمات البلاد.
ويرى متابعون أن هذا الخطاب التحشيدي الذي يستخدم مفردات الحرب والتهديد، يعبّر عن خوف متنامٍ داخل الأحزاب المهيمنة من فقدان جمهورها الانتخابي، خصوصاً في ظل تمدد القوى المدنية والإصلاحية التي نشأت من رحم احتجاجات تشرين. فبدلاً من تقديم برامج واضحة تعالج البطالة والفساد والخدمات، تميل هذه القوى إلى استدعاء لغة التخويف من “المجهول” و”المؤامرة” و”المشاريع الخارجية”، في محاولة لاستنهاض قواعدها الشعبية التقليدية.
ويشير مراقبون إلى أن الحملات الانتخابية الحالية تجاوزت الطابع البرامجي إلى مشهد تعبوي قائم على التجييش والهويات السياسية، ما قد يعيد إنتاج الاستقطاب الحاد بين التيارات داخل المكوّن الواحد، ويؤسس لمرحلة جديدة من الانقسام المجتمعي والسياسي. فالكثير من الخطابات الأخيرة ركّزت على “التهديدات الخارجية” و”الدفاع عن سيادة الدولة”، في حين تغيب عنها الخطط الواقعية لإصلاح الاقتصاد أو تحسين الخدمات العامة.
في المقابل، تحاول المفوضية العليا المستقلة للانتخابات طمأنة الشارع العراقي بشأن نزاهة العملية الانتخابية، وسط تواتر تقارير عن بيع وشراء بطاقات انتخابية ومحاولات للتأثير على إرادة الناخبين، دفعت الأجهزة الأمنية إلى شن حملات واسعة لتعقب المتورطين. هذه الظواهر، بحسب متابعين، تعمّق الشعور الشعبي بانعدام الثقة، وتزيد من احتمالات العزوف عن التصويت، خصوصاً مع تكرار مشاهد المال السياسي وضعف الرقابة على الحملات الدعائية.
ويبدو أن الخطاب الانتخابي في العراق يتجه اليوم إلى ما يمكن تسميته بـ“الطابع الوجودي”، حيث تسعى القوى السياسية إلى تصوير الانتخابات كصراع مصيري بين “مشروع الدولة” و“مشروع الفوضى”. هذا التحول في اللغة السياسية، وإن كان يعبّر عن حجم الرهانات الانتخابية، إلا أنه يثير في الوقت نفسه مخاوف من انتقال التوتر الخطابي إلى الشارع، وما قد يرافق ذلك من احتكاكات أو حملات تخوين وتشويه متبادل.
ومع دخول الحملات مراحلها الحاسمة، يواجه العراق تحدياً مزدوجاً: تنظيم انتخابات آمنة ونزيهة من جهة، ومنع الخطاب المتشنج من إعادة إشعال الانقسامات الداخلية من جهة أخرى. فالمواطن، الذي استُدعي صوته مراراً في مواسم الانتخابات ثم أُهملت مطالبه بعدها، بات أكثر وعياً في قراءة الخطاب السياسي، وأقلّ استعداداً لتصديق وعود لا تُترجم على أرض الواقع.
في هذا السياق، يحذر محللون من أن الإفراط في الخطاب التصعيدي قد ينعكس سلباً على نسب المشاركة، ويفتح الباب أمام مزيد من الإحباط الشعبي. وبينما تراهن بعض الكتل على تعبئة أنصارها عبر لغة “التحذير والخطر”، يبدو أن التحدي الحقيقي يكمن في إقناع الناخب العراقي بأن الانتخابات المقبلة يمكن أن تكون بداية جديدة، لا مجرد جولة أخرى من الصراع بين القوى القديمة على مقاعد البرلمان.