
بغداد – إيجاز
في توقيت سياسي شديد الحساسية، أعاد موقف رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني الداعم لترشيح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي إلى واجهة الجدل حول طبيعة الحسابات الكردية، وحدود التقاطع بين ما هو تكتيكي وما هو استراتيجي في العلاقة مع بغداد، خصوصاً مع إدراك واسع بوجود فيتو دولي غير معلن على عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة.
الرسالة التي أصدرها بارزاني في 24 كانون الثاني 2026، والتي رحّب فيها بقرار الإطار التنسيقي تسمية المالكي مرشحاً لرئاسة الوزراء، وهنّأه متعهداً بدعمه لمعالجة القضايا وتجاوز العقبات، لم تُقرأ في بغداد بوصفها موقفاً تضامنياً تقليدياً، بقدر ما فُسّرت على أنها خطوة محسوبة تحمل أبعاداً أبعد من المجاملة السياسية، وتستند إلى قراءة كردية قديمة لمعادلة القوة والضعف بين المركز والإقليم.
وفق تقديرات مراقبين، فإن جوهر هذه المقاربة يقوم على فرضية مفادها أن بغداد القوية والمستقرة تُقيد هامش المناورة أمام أربيل، بينما يؤدي إرباك المشهد السياسي الاتحادي واهتزاز مراكز القرار إلى توسيع نفوذ الإقليم، وتحسين موقعه التفاوضي داخلياً وخارجياً، لا سيما في الملفات العالقة مثل النفط والموازنة والبيشمركة والمناطق المتنازع عليها.
مصادر سياسية مطلعة تحدثت لـ”إيجاز” عن أن بارزاني قدّم وعوداً لبعض قوى الإطار التنسيقي بإمكانية التوسط لدى عواصم أوروبية لتخفيف الاعتراضات الدولية على المالكي، في خطوة وصفتها تلك المصادر بأنها محاولة لإيهام الإطار بوجود نافذة تسوية، بينما تُدار فعلياً لعبة أكثر تعقيداً تقوم على استنزاف بغداد سياسياً وإغراقها في صراع الشرعيات والقبول الخارجي
وتشير المصادر إلى أن هذا المسار لا ينفصل عن تاريخ طويل من تحركات الحزب الديمقراطي الكردستاني في العواصم الغربية، ولا سيما واشنطن، حيث يمتلك شبكة علاقات ولوبيات سياسية وإعلامية سبق أن لعبت أدواراً ضاغطة على الحكومات الاتحادية المتعاقبة، عبر تقارير وسياقات إعلامية تُقدّم صورة مجتزأة عن الوضع العراقي، وتُحمّل بغداد مسؤولية الإخفاقات، مقابل إبراز الإقليم بوصفه نموذج الاستقرار والإدارة الرشيدة.
في هذا السياق، يرى مختصون أن دعم بارزاني للمالكي لا ينبع من تقاطع أيديولوجي أو انسجام سياسي مع الإطار التنسيقي، بل من قناعة بأن عودة شخصية جدلية ومرفوضة دولياً إلى واجهة الحكم قد تدفع باتجاه قرارات متسرعة أو صدامية في ملفات حساسة، وهو ما سيؤدي إلى تعميق عزلة بغداد، ويمنح أربيل فرصة الظهور مجدداً بمظهر الطرف العاقل القادر على ضبط الإيقاع والتواصل مع المجتمع الدولي.
ويعزز هذا التقدير أن الحزب الديمقراطي لطالما فضّل العمل في بيئات سياسية مضطربة على حساب الاستقرار طويل الأمد في بغداد، إذ إن الأزمات المتكررة تُبقي باب التفاوض مفتوحاً، وتمنح الإقليم أدوات ضغط إضافية في ملفي النفط والموازنة، فضلاً عن تقليص قدرة الحكومة الاتحادية على فرض رؤيتها القانونية والدستورية.
في المقابل، تحذّر أوساط سياسية في بغداد من أن هذا النوع من المناورات قد يرتد سلباً على مجمل العملية السياسية، إذ إن إضعاف المركز لا يعني بالضرورة تقوية الإقليم على المدى البعيد، بل قد يفتح الباب أمام تدخلات دولية أوسع، ويعيد إنتاج أزمات السيادة والانقسام، وهو ما يهدد الجميع دون استثناء.
كما تشير هذه الأوساط إلى أن الرهان على تجاوز الفيتو الدولي عبر وساطات غير مضمونة قد يُدخل الإطار التنسيقي في مأزق إضافي، ويمنح خصومه فرصة لاتهامه بالمغامرة بمصالح البلاد، في وقت يعاني فيه العراق أصلاً من هشاشة سياسية واقتصادية وأمنية.
في المحصلة، يبدو أن دعم بارزاني لترشيح المالكي لا يمكن فصله عن استراتيجية أوسع تقوم على إدارة التوازنات عبر إضعاف بغداد لا عبر الشراكة معها، وهي مقاربة قد تمنح أربيل مكاسب مرحلية، لكنها تضع مستقبل العلاقة بين المركز والإقليم أمام اختبارات معقدة، في ظل بيئة إقليمية ودولية لا تُخفي حساسيتها تجاه أي عودة لوجوه المرحلة السابقة إلى السلطة.