
بغداد – إيجاز
يتجدد الصدام التعليمي بين بغداد وأربيل، لكن هذه المرّة يبدو أعمق وأشدّ حدّة، بعدما تحوّل إلى أزمة تمسّ مستقبل آلاف الطلبة، وتكشف ــ وفق مختصين ــ عن سلوك سياسي من جانب وزارة التعليم في إقليم كردستان، يُستَخدم فيه الاعتراف الأكاديمي كورقة ضغط، بعيداً عن أي رصانة علمية أو إطار دستوري.
فخلال السنوات الأخيرة، لم يكتفِ الإقليم بعدم الاعتراف بعدد كبير من الجامعات الأهلية في بغداد والمحافظات، بل مضى ــ كما يصف مسؤولون في الحكومة الاتحادية ــ نحو توسيع الفجوة وفرض واقع أكاديمي موازٍ، لا يستند إلى معايير موحّدة، ولا إلى قرارات اتحادية ملزمة.
والقرارات التي أصدرها إقليم كردستان، والتي طاولت جامعات أهلية في المركز، أثارت موجة استياء واسعة، خصوصاً أنها تزامنت مع توسّع كبير في إنشاء مؤسسات تعليمية داخل الإقليم من دون معايير واضحة، ما دفع مراقبين إلى وصف الخطوة بأنها “إجراء سياسي بغطاء أكاديمي”، وأنها تمثل تعدّياً على الصلاحيات الاتحادية وتضييقاً على الطلبة، أكثر مما هي معالجة لمشكلة الرصانة.
وزير التعليم العالي العراقي، نعيم العبودي، أكّد أن ما يجري “غير دستوري ولا قانوني”، محمّلاً وزارة التعليم في الإقليم مسؤولية تفاقم الملف.
وقال في تصريحات صحافية تابعها موقع “إيجاز” إن بغداد “وجّهت أكثر من كتاب رسمي لمعالجة المشكلة، والكرة الآن في ملعب وزير التعليم العالي في الإقليم”، مشدداً على أنّ الوزارة تعاملت بالمثل بعدما صدر قرار أحادي الجانب من أربيل. وأعرب العبودي عن أمله في إنهاء الأزمة سريعاً “لأنها تمس مستقبل الطلبة بشكل مباشر”.
جامعات تُفتَح بلا رقابة.. وقرارات انتقائية
يؤكد أكاديميون في الإقليم نفسه أن المشكلة ليست وليدة اللحظة، لكن القرارات الأخيرة كشفت حجم الارتباك داخل منظومة التعليم في كردستان، إذ يرى الأستاذ الجامعي عمر الباجلان، من السليمانية، أن “التوسع العشوائي باستحداث الجامعات الأهلية خلق بيئة تعليمية يصعب ضبطها”، مضيفاً في تصريح تابعته “إيجاز” أن كثيراً من هذه المؤسسات “تفتقر إلى المختبرات والكوادر المتخصصة”، وأن الإقليم بدلاً من معالجة هذه الفوضى داخله، اختار محاسبة الجامعات في بغداد وحرمان طلبتها من الاعتراف.
من جانبه، وصف الدكتور حسن علي من جامعة بغداد قرار الإقليم بأنه “متسرّع وكيدي”، وقال في حديث تابعته “إيجاز” إن “اتخاذ قرار شامل بعدم الاعتراف لا يحلّ المشكلة، بل يعاقب الطلبة ويزيد من تآكل الثقة بالتعليم في البلاد”، مؤكداً أن ما تحتاجه المنظومة هو “مراجعة مشتركة لا إجراءات انفعالية”.
أزمة متشابكة
ورغم تأكيد بغداد إرسال مخاطبات رسمية، إلا أن المعنيين بالملف يرون أن حلّ الأزمة ليس قريباً، لأن جذورها ــ كما يقول الباحث في شؤون التعليم مناف العلياوي ــ باتت سياسية أكثر منها أكاديمية.
ويوضح في تصريح تابعته “إيجاز” أن “الطرفين يستخدمان الاعتراف أو عدم الاعتراف كأسلوب ضغط”، محذراً من أن استمرار هذا النهج سيضرّ بسمعة التعليم العراقي كله، وليس الجامعات الأهلية فحسب. ويشدّد على أن الحلّ يتطلب “لجنة وطنية مستقلة لا تخضع لأي نفوذ من الوزارتين”، واعتماد معايير جودة واضحة وموحدة.
طلاب في دائرة الخسارة
وفي ظل تبادل الاتهامات وتضارب القرارات، يجد آلاف الطلبة أنفسهم في مواجهة مستقبل ضبابي: شهادات مهددة بعدم الاعتراف، وخشية من عدم القدرة على إكمال الدراسات العليا، إضافة إلى صعوبات في التعيين الحكومي.
في المقابل، يؤكد أكاديميون أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب رؤية إصلاحية مشتركة، وأن الإقليم والمركز يعالجان الملف بمنطق الصراع، لا بمنطق تنظيم قطاع التعليم.
ربحية تتقدّم على الرصانة
وتكشف الأزمة عن خلل بنيوي أوسع في منظومة التعليم الأهلي في البلاد، إذ غابت مؤسسات الاعتماد الرصينة، وأصبحت الجامعات الأهلية في كثير من الأحيان تقدّم معيار “الربحية” على حساب الرصانة العلمية، وهو ما يفاقم الشكاوى المتزايدة من الطلبة الذين يطالبون بتدخّل عاجل وإطار وطني موحد يضع حداً لهذه الفوضى.
وبينما تستمر بغداد بالدعوة إلى معالجة الملف “ضمن القانون والدستور”، يرى مراقبون أن إقليم كردستان يستخدم التعليم كورقة ضغط سياسية في توقيت حساس، ما يجعل الطلبة الطرف الأضعف في معركة لا علاقة لها بجودة التعليم، بقدر ما ترتبط بإدارة النفوذ والصلاحيات بين المركز والإقليم.