
بغداد – إيجاز
مع اقتراب موعد إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق بحلول أيلول سبتمبر 2026، يعود الجدل مجدداً من بوابة إقليم كردستان، الذي يبرز كأكثر الملفات إثارة للقلق في مسار الانسحاب، في ظل مؤشرات متزايدة على سعي أربيل للاحتفاظ بوجود أجنبي خارج إطار التفاهمات الاتحادية، بما يعكس استمرار نهج الانفراد بالقرار الأمني بعيداً عن بغداد.
وبينما تؤكد الحكومة الاتحادية التزامها بإنهاء مهمة التحالف وفق جدول زمني واضح، تطرح التحركات داخل الإقليم تساؤلات جدية بشأن مدى احترام هذا الالتزام، خصوصاً مع استمرار أنماط التعاون العسكري المباشر بين أربيل والتحالف، دون المرور بالمؤسسات الاتحادية، وهو ما يفتح الباب أمام ازدواجية خطيرة في القرار الأمني داخل البلاد.
ويأتي هذا المشهد في وقت تشير فيه معطيات ميدانية إلى أن إقليم كردستان يحاول تكريس واقع أمني مستقل، مستفيداً من علاقاته الخارجية، وهو ما يُنظر إليه من قبل مراقبين على أنه تجاوز واضح لسلطة الدولة، ومحاولة لإبقاء العراق ساحة مفتوحة للنفوذ الدولي عبر بوابة الإقليم.
بدوره قال الخبير في الشأن الأمني عبدالغني الغضبان إن “ملف بقاء التحالف الدولي في إقليم كردستان لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة المضطربة بين بغداد وأربيل، إذ إن أي محاولة للإبقاء على قوات أجنبية داخل الإقليم خارج قرار الدولة تمثل خرقاً للسيادة وتكريساً لحالة الانقسام الأمني”.
وأضاف الغضبان لموقع “إيجاز” أن “السيناريو الأول، وهو الانسحاب الكامل من جميع الأراضي العراقية بما فيها الإقليم، يمثل الخيار الطبيعي والمنسجم مع مبدأ السيادة، إلا أن ما يجري داخل كردستان يشير إلى وجود رغبة في الالتفاف على هذا المسار عبر صيغ غير معلنة”
وأشار إلى أن “الحديث عن بقاء التحالف بصيغة استشارية داخل الإقليم لا يغير من جوهر المشكلة، لأن وجود أي قوة أجنبية خارج إشراف الحكومة الاتحادية يعني وجود مركز قرار أمني موازٍ، وهذا ما يهدد وحدة المنظومة الدفاعية في العراق”
ويتابع الغضبان أن “السيناريو الأخطر يتمثل في تحويل إقليم كردستان إلى منطقة استثناء سياسي وأمني، يُسمح فيها ببقاء التحالف دون بقية الأراضي العراقية، وهذا الخيار يحمل تداعيات كبيرة، لأنه يكرس واقعاً غير دستوري ويضعف هيبة الدولة أمام الداخل والخارج”.
وتتزايد المخاوف من أن يؤدي هذا المسار إلى خلق بيئة أمنية مزدوجة، حيث تعمل القوات الاتحادية وفق قرارات بغداد، فيما يحتفظ الإقليم بهوامش حركة مستقلة، ما يفتح المجال أمام تضارب المصالح والتداخل في الصلاحيات، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن ملف انسحاب التحالف لن يكون مجرد إجراء تقني، بل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة العراقية على فرض قرارها السيادي على كامل أراضيها، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن إقليم كردستان قد يشكل العقبة الأبرز أمام إغلاق هذا الملف بشكل نهائي.