
بغداد – ايجاز
تحولت أجواء الاحتفال بليلة رأس السنة في محافظة البصرة إلى صدمة مجتمعية، بعد تداول مقاطع مصورة وشهادات متطابقة توثق حالات تحرش جماعي طالت فتيات، من بينهن قاصرات، وسط تجمعات مكتظة في كورنيش شط العرب. مشاهد أعادت إلى الواجهة ملفًا شائكًا يتكرر في كل مناسبة جماهيرية، ويطرح أسئلة حادة حول هيبة القانون، ودور الأجهزة الأمنية، وحدود المحاسبة.
ما جرى في البصرة لم يكن حادثًا فرديًا أو سلوكًا معزولًا، بل نمطًا مقلقًا بات يتكرر في التجمعات العامة، حيث تختلط أجواء الفرح بغياب الردع، ويتحول الاكتظاظ إلى بيئة خصبة للاعتداء على كرامة النساء. وهو ما أثار موجة غضب واسعة، شددت على أن هذه الأفعال لا تمثل البصرة ولا مجتمعها، بل تعكس انحدارًا أخلاقيًا خطيرًا لا يمكن التساهل معه.
اللافت أن المقاطع المتداولة لم تقتصر على البصرة، بل أظهرت حوادث مشابهة في محافظات أخرى، ما يشير إلى أزمة أعمق تتجاوز المكان والزمان، وترتبط بضعف التنظيم الأمني، وغياب الإجراءات الاستباقية في الفعاليات الكبرى، فضلًا عن ثقافة مجتمعية تميل أحيانًا إلى تبرير الجاني أو تحميل الضحية مسؤولية ما تعرضت له.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى وزارة الداخلية، بوصفها الجهة المسؤولة عن أمن الشارع وتنظيم التجمعات. أين كانت الخطط الأمنية؟ وهل جرى تقدير حجم الحشود بشكل صحيح؟ ولماذا لم تُفعّل إجراءات الفصل والسيطرة ومنع الاحتكاك؟ أسئلة يفرضها الشارع، خصوصًا مع وضوح بعض الوجوه في المقاطع المتداولة، ما يجعل مسألة التعرف على المتورطين ممكنة وليست معقدة.
قانونيًا، ينص قانون العقوبات العراقي في المادة (396) على معاقبة مرتكب فعل الاعتداء الجنسي بالسجن مدة قد تصل إلى سبع سنوات، وتصل إلى عشر سنوات إذا كانت الضحية قاصرًا، مع تشديد العقوبة في حال تعدد الجناة أو اقتران الفعل بظروف مشددة. غير أن المشكلة لا تكمن في النص القانوني بقدر ما تكمن في التطبيق، والجدية في إنزال العقوبة، والعلنية في المحاسبة.
ويرى مراقبون ان “الصمت أو التهاون مع جرائم التحرش لا يهدد النساء فقط، بل ينسف ثقة المجتمع بالدولة، ويحوّل الفضاء العام إلى مساحة خوف. كرامة النساء خط أحمر، وأمن الشارع مسؤولية دولة، والعدالة الصارمة ليست خيارًا، بل شرطًا أساسيًا للاستقرار وهيبة القانون”.