آخر الأخبار

مرحلة جديدة أمام القطاع المصرفي.. إصلاحات بطابع أمريكي

بغداد – إيجاز

يقف القطاع المصرفي العراقي اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تتشابك فيها الطموحات بالإصلاح مع الواقع المعقد لضغوط الخارج، بعد صدور تقرير لشركة «أوليفر وايمن» (Oliver Wyman) الأمريكية توقّع أن يصل حجم القطاع المصرفي في العراق إلى 60 مليار دولار بحلول عام 2035، في ما وُصف بأنه “قفزة محتملة” إذا ما تم تنفيذ برامج الإصلاح المعلنة من قبل البنك المركزي العراقي.

ورغم الطابع المتفائل للتقرير، الذي تحدّث عن “نمو متسارع بفضل الإصلاحات الشاملة”، إلا أن هذا التفاؤل يثير في الأوساط الاقتصادية العراقية تساؤلات حول طبيعة الإصلاحات ومدى ارتباطها بإرادة داخلية حقيقية، أم أنها نتيجة ضغوط وتعليمات خارجية مرتبطة بالنظام المالي الأمريكي ومتطلباته الرقابية الصارمة.

فخلال السنوات الماضية، ظل القطاع المصرفي العراقي هشًّا أمام أي تغيير في السياسة النقدية الأميركية، إذ تمر أغلب التحويلات عبر النظام الفيدرالي قبل عودتها إلى الداخل، ما جعل المصارف العراقية رهينة للإجراءات الأميركية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وضبط تحويلات الدولار. وبات واضحًا أن الإصلاح المصرفي في البلاد يسير بخطى تُرضي واشنطن أكثر مما تعبّر عن رؤية وطنية متكاملة لتطوير القطاع المالي.

ويشير اقتصاديون إلى أن أصول المصارف العراقية الكبرى تتجاوز فعلاً 40 مليار دولار، وأن الوصول إلى سقف الـ60 ملياراً خلال عقد من الزمن ليس هدفًا بعيد المنال من الناحية الحسابية، لكنه لا يعني بالضرورة حصول “إصلاح حقيقي”، لأن هذه الأصول تراكمت أساساً من حركة الأموال الحكومية ورواتب الموظفين، لا من نشاطات مصرفية إنتاجية أو استثمارية فاعلة.

وتتضمن خطة البنك المركزي، التي أُعلنت بالتعاون مع شركة «أوليفر وايمن»، جملة من الإجراءات لتحديث بنية النظام المالي، أبرزها توسيع شبكة الفروع وأجهزة الصراف الآلي، وتعزيز الحماية للمودعين والدائنين، وتبسيط إجراءات الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطوير نظام الهوية الرقمية. كما تستهدف الخطة تحويل المصارف من أدوات إيداع وسحب إلى مؤسسات تمويل واستثمار حقيقية، في إطار ما يسميه المنهاج الحكومي “الإصلاح المالي والمصرفي”.

وتتجه الأنظار في المرحلة الحالية إلى المصارف الحكومية الكبرى، مثل الرافدين والرشيد، بوصفهما نموذجين لبدء التحول الإداري والبنيوي داخل القطاع المالي، بما يشمل الانتقال من الملكية العائلية إلى الحوكمة المشتركة، وتقليص نفوذ العائلات التجارية التي هيمنت على المصارف الأهلية لعقود طويلة. ويُعوَّل على هذه الخطوات في فتح الباب أمام دخول رأس المال الأجنبي والمستثمرين العرب إلى السوق العراقية خلال السنوات المقبلة.

وقال مصدر مصرفي بارز في تصريح صحفي إن “جميع المصارف دخلت فعلاً في خطة الإصلاح وأبدت استعدادها لتغيير استراتيجياتها، بما في ذلك عقد شراكات مع مستثمرين أجانب، والتحول إلى بيئة مصرفية رقمية تراعي مبادئ الشمول المالي والامتثال للمعايير الدولية”. وأوضح أن “المرحلة المقبلة ستشهد تطبيقًا تدريجيًا للبنود المتعلقة بالحوكمة والإدارة الحديثة، وتحديث أنظمة العمل الإلكتروني في المصارف المحلية”.

ويرى مراقبون أن هذا التحول، على الرغم من أهميته، لا يزال يواجه عقبات كبيرة أبرزها خضوع أكثر من 30 مصرفاً عراقياً لعقوبات أو قيود أميركية بسبب شبهات تتعلق بتهريب الدولار أو تمويل أنشطة غير مشروعة، الأمر الذي قلّل من قدرة السوق على التعامل الخارجي، وأضعف ثقة المستثمرين الدوليين.

ويُتوقع أن يسهم رفع تلك العقوبات تدريجيًا عن المصارف التي لم تثبت إداناتها في تحريك عجلة الإصلاح المالي، وتهيئة القطاع لمرحلة جديدة من الاستقرار والانفتاح. كما يُنتظر أن يؤدي الالتزام بخطة الإصلاح إلى إطلاق مليارات الدولارات المجمدة داخل المصارف المحلية، والتي تجاوزت لدى بعضها حاجز الـ10 مليارات دولار، لكنها لم تُفعَّل بعد بانتظار استكمال تدقيقات شركة «أوليفر وايمن» وتثبيت الوضع القانوني والمالي لكل مصرف.

ويرى مختصون أن تفعيل هذه الأموال من شأنه أن يحرّك الاستثمار والإقراض داخل السوق المحلية، ويعيد الثقة بالنظام المصرفي، الذي ظلّ لسنوات طويلة معزولاً عن النشاط الحقيقي للاقتصاد. ومع ذلك، يظلّ التحدي الأكبر في بناء ثقافة مصرفية مجتمعية تشجع المواطنين على التعامل مع المصارف، في بلدٍ لا تزال فيه نسبة كبيرة من السكان تفضل التعامل النقدي المباشر وتحتفظ بأموالها خارج النظام المصرفي.

وبين الطموحات الإصلاحية والضغوط الخارجية، يبدو مستقبل القطاع المصرفي في العراق مفتوحاً على احتمالات متباينة، فإما أن يتحول إلى ذراع اقتصادية فاعلة تسهم في النمو والتنمية، أو يبقى مجرد حلقة أخرى من حلقات التكيّف مع إملاءات الخارج دون أن يلمس المواطن نتائج الإصلاح الموعود.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد