آخر الأخبار

معابر تبتلع التريليونات.. كيف حول كردستان الحدود إلى اقتصاد موازٍ خارج سيطرة بغداد؟

بغداد – إيجاز

يتجه ملف المنافذ غير الرسمية في إقليم كردستان إلى واجهة الصراع المالي والسيادي بين بغداد وأربيل، وسط حديث متصاعد عن عودة نموذج «سيطرة الصفرة» عند حدود الإقليم، في خطوة تهدف إلى وقف نزيف مالي هائل تتحمله الخزينة الاتحادية منذ سنوات، نتيجة إدارة منفردة للحدود، ووجود شبكة واسعة من المعابر الخارجة عن سلطة الدولة.

وجاءت جلسة استضافة رئيس هيئة المنافذ الحدودية في مجلس النواب لتكشف، بالأرقام والوقائع، حجم الخلل القائم، بعد الإقرار بوجود أكثر من 20 معبرًا غير رسمي، تتركز غالبيتها داخل إقليم كردستان، ولا سيما على الحدود مع سوريا، تعمل خارج أي إشراف اتحادي، وتحوّلت إلى بوابات مفتوحة لتهريب البضائع والوقود والمواد المحظورة، في مشهد يعكس ازدواجية إدارة الحدود، ويقوّض مبدأ السيادة الاقتصادية للدولة.

وما طُرح في جلسة البرلمان لم يكن مجرد توصيف فني لخلل إداري، بل إقرار بواقع قائم منذ سنوات، يتمثل في امتناع سلطات الإقليم عن إخضاع جميع المنافذ للرقابة الاتحادية، وفرض تعليمات ورسوم جمركية خاصة بها، بمعزل عن السياسة المالية العامة لبغداد.

عضو مركز التنمية عدنان محمد التميمي قال، في حديث تابعته منصة إيجاز، إن ما كُشف «يعكس حجم الاستنزاف المالي الناتج عن إدارة منفردة للمعابر في الإقليم، وغياب أي تعاون حقيقي مع الحكومة الاتحادية»، مشيرًا إلى أن «الملف معروف لدى القوى السياسية منذ سنوات، لكن الإرادة السياسية لمعالجته كانت غائبة”.

وأضاف أن «وجود معابر غير خاضعة لبغداد يعني عمليًا استمرار تهريب البضائع، وكسر الرزنامة الزراعية، وإغراق الأسواق بسلع محظورة أو غير خاضعة للفحص»، معتبرًا أن «الخسائر لا تُقاس بالمليارات بل بمئات المليارات سنويًا، وقد تصل إلى أرقام أعلى إذا ما احتُسبت تداعياتها الاقتصادية غير المباشرة».

خسائر تريليونية.. والمنتج الوطني يدفع الثمن

تقديرات برلمانية واقتصادية تشير إلى أن الخسائر الناجمة عن المعابر غير الرسمية في إقليم كردستان وحده تصل إلى عشرات التريليونات من الدنانير سنويًا، نتيجة التهرّب الجمركي، وتهريب المحروقات، وعدم تسديد الضرائب الاتحادية، فضلًا عن إدخال بضائع مخالفة للرزم الزراعية والصناعية المعتمدة.

عضو الحزب الشيوعي صالح رشيد قال، في حديث تابعته “منصة إيجاز” إن «ما يجري يمثل نزيفًا مفتوحًا للاقتصاد العراقي، تتحمل مسؤوليته الجهات التي تدير هذه المعابر خارج الإطار الاتحادي»، متسائلًا عن أسباب «عدم إخضاعها لإدارة مركزية موحدة تحمي المال العام».

وأضاف أن «خطورة الملف لا تتوقف عند الجانب المالي، بل تمتد إلى دخول مواد ممنوعة أو غير مفحوصة صحيًا، ما يهدد الأمن المجتمعي بشكل مباشر»، مقدرًا حجم الخسائر بما لا يقل عن 10 تريليونات دينار سنويًا.

وأصبحت الوقائع الميدانية، بحسب مراقبين، ترسم صورة لحدود تُدار بعقليتين مختلفتين؛ منافذ اتحادية تخضع للرقابة المشددة والأتمتة، ومنافذ في الإقليم تُدار بسياسات منفصلة، ومعابر غير رسمية بالكامل تتحرك فيها الشاحنات عبر طرق ترابية وجبلية، تحت أنظار شبكات تهريب محلية.

وهذا الواقع، وفق توصيفات نيابية، جعل العراق يبدو وكأنه يُدار اقتصاديًا من «دولتين»، واحدة تحاول ضبط الإيرادات، وأخرى تفتح حدودها لمصالح حزبية واقتصاد موازٍ، على حساب الخزينة العامة.

ومع اتساع الفارق في الرسوم الجمركية بين منافذ الإقليم والمنافذ الاتحادية، يتوقع اقتصاديون عودة نموذج «سيطرة الصفرة» عند دخول البضائع من كردستان إلى باقي المحافظات، كإجراء اضطراري لتعويض ما يفوته من إيرادات.

هذه النقطة، التي كانت تمر عبرها سابقًا آلاف الشاحنات يوميًا، تحولت في الماضي إلى رمز للجباية الحزبية والصراع على الإيرادات، قبل أن تُلغى رسميًا في عهد حكومة حيدر العبادي، وسط تقارير تؤكد استمرار الاستحصال غير الرسمي بعدها.

وعلى المستوى الأمني، لم تعد معابر الإقليم غير الرسمية مقتصرة على تهريب البضائع، بل تشير تقارير بحثية دولية إلى استخدامها كممرات لوجستية لتهريب النفط من مناطق شمال سوريا إلى داخل الإقليم، بأسعار مخفضة، ضمن شبكات عابرة للحدود، توسعت لتشمل، في بعض الحالات، نقل مواد ذات استخدام مزدوج.

هذه المعطيات تعني، وفق مراقبين، أن الإقليم لا يواجه فقط اتهامات بهدر المال العام، بل يُتهم بتحويل حدوده إلى مسارات خارج القرار السيادي العراقي، تتحمل بغداد تبعاتها السياسية والأمنية.

عضو الإطار التنسيقي عدي عبد الهادي قال، في حديث تابعته “منصة إيجاز” إن “المرحلة المقبلة ستفرض على الحكومة الاتحادية التعامل بصرامة مع ملف معابر إقليم كردستان”، معتبرًا أن “الأزمة المالية الحالية لم تعد تسمح باستمرار هذا النزيف”.

وأضاف أن “هذه المعابر تمثل تهديدًا اقتصاديًا وأمنيًا في آن واحد، وأي إصلاح مالي حقيقي لا يمكن أن ينجح ما لم تُفرض السيطرة الاتحادية الكاملة على حدود الإقليم”.

ولم يعد ملف المعابر غير الرسمية مسألة فنية أو خلافًا إداريًا بين بغداد وأربيل، بل بات اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة على فرض سيادتها الاقتصادية، ووضع حد لاقتصاد موازٍ استفاد طويلًا من غياب الحسم السياسي.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد