آخر الأخبار

الأسلاكُ الشائكةُ في حياةِ الطالبِ: فنُّ التشخيصِ واستراتيجياتُ القَصِّ والعُبورِ

د . أيوب جرجيس العطية : كاتب وناقد وباحث

     مقدمة: جدار الصمت والأسلاك غير المرئية:

    لا يمكن وصف رحلة الطالب في العصر الحديث بأنها مجرد نزهة فوق بساط من الورود، بل هي في جوهرها عبورٌ حذر في حقل محفوف بـ (الأسلاك الشائكة)، هذه الأسلاك ليست عوائق مادية تراها العين، بل هي قيود معنوية وذهنية تلتف ببطء حول عنق الطموح، وتكبل أقدام السعي كلما حاول الطالب القفز نحو أفق جديد.

  إن (الأسلاك الشائكة) في حياة الطالب تبدأ كخيوط رفيعة من القلق، ثم تتحول مع الوقت إلى جدران شائكة من التردد، والمقارنات القاتلة، وضغوط التوقعات التي لا تنتهي. هي تلك اللحظات التي يشعر فيها الطالب أنه محاصر بين مطرقة المناهج المتراكمة وسندان الخوف من المستقبل، فكل حركة غير مدروسة قد تترك “ندبة” في ثقته بنفسه، وكل تراجع قد يجعله يغرق في سلك التواكل والتسويف.

  إننا لا نتحدث هنا عن صعوبة مادة دراسية فحسب، بل نتحدث عن (بيئة شائكة)؛ سلكٌ منها يتمثل في شاشة الهاتف التي تستنزف الوقت والتركيز، وسلكٌ آخر يتمثل في صوت داخلي محبط يهمس: “لست ذكياً بما يكفي”، وسلكٌ ثالث يفرضه المجتمع الذي يختزل قيمة الإنسان في علامة تُكتب على ورقة.  

   هذا المقال ليس مجرد رصد لهذه الجروح، بل هو دليل لاستخدام (مقصِّ الإرادة) لـ(فكِّ هذا الاشتباك)، وتحويل تلك الأسلاك من عوائق تعيق الحركة إلى درجاتٍ يُمكن الاستناد عليها للارتقاء، فالمعدن الأصيل لا يلمع إلا بعد احتكاك، والطالب القوي هو من يتعلم كيف يمرُّ بين الأسلاك دون أن ينحني انكساراً.

فحياة الطالب الجامعي، أو المدرسي تُشبّهُ أحياناً بسباق الحواجز، لكن التشبيه الأدق هو السير في حقل تتخلله (الأسلاك الشائكة)، هذه الأسلاك ليست عوائق مادية، بل هي قيود نفسية، اجتماعية، وأكاديمية تلتف حول طموح الطالب، فتعيق حركته وتسبب له “جروحاً” قد تؤدي إلى الإحباط أو الانكفاء.

    ولعل أصدق تعبير عن ثقل هذه “الأسلاك” هو ما نقله الكاتب “زاي سميث” في صحيفة “شيكاغو صن تايمز”، حين أجرى مقابلة مع أحد الأطفال في مدرسة تعتمد نظاماً تعليمياً مكثفاً. قال الطفل بكلمات عفوية لكنها مؤثرة: “إننا نفعلُ أشياءَ صعبةً هنا.. إنهم يملؤون عقلك“.( كارول أس دويك، طرق التفكير، 2024، ص 105)

تعكس هذه الكلمات (سلك التكدس المعرفي)؛ فيتحول التعليم من رحلة استكشاف إلى (عملية شحن) قسري للعقل؛ فيولد شعوراً بالاختناق الذهني لدى الطالب، ويجعل من الضروري البحث عن طرق لتفريغ هذا الضغط، وإعادة تنظيم المحتوى الدراسي بطريقة لا تسبب شللاً للتفكير.

أولاً: عبور حقل الألغام: كيف يفكك الطالب  الأسلاك الشائكة في حياته.؟

    إنَّ النجاح الدراسي ليس مجرد ذكاء فطري، بل هو مهارة في “قص” هذه الأسلاك والعبور نحو الهدف بأقل الخسائر.

   قبل البدء بالعلاج، يجب أن نعرف نوع السلك الذي يقيد حركتنا. يمكن تصنيف هذه المعوقات إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

1. الأسلاك النفسية والداخلية (أخطرها):

  • الأسلاك النفسية (سجن الذات): خوف من اتخاذ القرار: يعيش الشخص في حيرة دائمة، يعيقه القلق والشك الذاتي، وعدم القدرة على التعبير عن المشاعر: كالسعادة أو الغضب أو الحب، خوفًا من الرفض أو النقد، والعزلة الداخلية: رغم التفاعل الاجتماعي، يبقى الشخص منفصلًا نفسيًا عن الآخرين، و الإحساس بالقصور أو العجز: الاعتقاد بأن الذات لا تستطيع تحقيق رغباتها أو أحلامها.
  • خوف الفشل: الذي يؤدي إلى شلل التحليل، القلق الدائم من عدم تلبية توقعات الأهل أو المجتمع؛ فيؤدي إلى “شلل التحليل” حيث يخاف الطالب من البدء حتى لا يخطئ.
  • سلك التسويف :  يرى بيرس ستيل في كتابه “معادلة التسويف” أن هذا العائق ليس مشكلة في إدارة الوقت بل في “إدارة المشاعر”. فالطالب يهرب إلى التسويف ليتجنب مشاعر القلق المرتبطة بالمادة الدراسية؛ فيجعل السلك يلتف حوله أكثر كلما اقترب الموعد النهائي.
  • تدني تقدير الذات: مقارنة النفس بالآخرين عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ فيشعر الطالب بأنه أقل ذكاءً أو قدرة.
  • عقلية الجمود: توضح كارول دويك في كتابها “طريقة التفكير” أن الطالب الذي يعتقد أن ذكاءه ثابت (سلك الجمود) يتوقف عن المحاولة عند أول عائق، أمّا الطالب ذو “عقلية النمو” فيرى الأسلاك الشائكة تحديات تقوي مهاراته.

2. الأسلاك الأكاديمية والمنهجية:

  • الفجوة بين النظرية والتطبيق: دراسة مواد يشعر الطالب أنها لا تمت للواقع بصلة، مما يفقد الشغف، و الفجوة بين ما يدرسه الطالب وبين ما يحتاجه سوق العمل؛ فيسبب فقدان الشغف والجدوى من الدراسة.
  • طرق التدريس التقليدية: التي تعتمد على التلقين وتكديس المعلومات بدلاً من الفهم والتحليل.

3. الأسلاك الاجتماعية والاقتصادية:

  • الضغوط العائلية: إجبار الطالب على تخصص معين لا يتناسب مع ميوله.
  • سلك التشتت الرقمي : أصبحت القدرة على التركيز “عملة نادرة”. فالأسلاك الرقمية (الإشعارات، الشبكة العنكبوتية) تمنع الطالب من الوصول إلى حالة التدفق الذهني الضرورية لفهم التعقيدات العلمية. إضافة إلى “الإدمان الرقمي” الذي يسرق أثمن ما يملكه الطالب وهو التركيز.واعلم إنَّ القوة التي تتبعثر في مجارٍ شتى لا تدير طاحونة.
  • الأزمات المادية: القلق حول الرسوم أو تكاليف المعيشة الذي يشتت التركيز الذهني.
  • فخ الرغبات المستعارة: (عن دراسة الطب وغيرها): رأيت أطباءً يرتدون المآزر البيضاء لكن قلوبهم تمتلئ بالسواد والإحباط.. لماذا؟ لأنهم حققوا رغبات آبائهم ودفنوا رغباتهم  رسالتي لكل أب وأم: لا تجعلوا أبناءكم نسخاً من أحلامكم المؤجلة، فالنجاح الحقيقي ليس في لقب ‘دكتور’، بل في أن يجد الإنسان شغفه. المبدع في مجال يحبه، خير من محبط في مجال فُرض عليه.”
  • استنزاف الطاقة العاطفية(علاقات النساء): “تأملتُ سير الناجحين، فوجدت عاملاً مشتركاً: (التركيز المقدس). الكثير من الشباب يستنزفون أجمل سنوات عمرهم، وأثمن طاقاتهم، وجزءاً من مالهم في علاقات عاطفية عابرة تستهلك الوقت والجهد. العظيم هو من يصون قلبه وجهده في بداية حياته، ليكون ‘الاستثمار’ في ذاته وعقله أولاً. النجاح يحتاج إلى وعاء ممتلئ، والعلاقات غير الناضجة تخرق هذا الوعاء.”

ثانيا: استراتيجيات علاج المعوقات (كيف تقص الأسلاك؟) :

العلاج لا يأتي بضربة واحدة، بل هو عملية منهجية تتطلب صبراً وأدوات صحيحة، منها:

  1. إعادة صياغة العقلية : يجب على الطالب أن يدرك أن “الأسلاك الشائكة” جزء من الرحلة وليست نهاية الطريق.
  2. تقبل الخطأ: تعلم أن الفشل ليس عكس النجاح، بل هو جزء منه. كل “خدش” من هذه الأسلاك هو درس يعلمك كيف تتفاداها في المرة القادمة.
  3. قاعدة الـ 5 دقائق: للتغلب على التسويف، ابدأ بأي مهمة لمدة 5 دقائق فقط. غالباً ما يكون البدء هو الجزء الأصعب، وبمجرد كسر حاجز البداية، يسهل الاستمرار.
  4. تنظيم البيئة المحيطة:
  5. المعقِّم الرقمي: تحديد ساعات معينة لإغلاق الهاتف تماماً، فالبيئة النظيفة من المشتّتات تمنح العقل مساحة للتركيز العميق .
  6. اختيار الرفقة: أحط نفسك بطلاب لديهم “مقصات” إيجابية، أي أولئك الذين يحفزونك على التطور، وليس الذين يزيدون من إحباطك وتذمرك.

3. الأدوات التقنية والمنهجية:

  • تقنية “بومودورو” (Pomodoro): تقسيم الوقت إلى 25 دقيقة عمل و5 دقائق راحة. هذا يمنع العقل من الإرهاق أمام العوائق الكبيرة.( Bisera Apostolova، (2025) كل ما تحتاج معرفته حول تقنية بومودورو)
  • التعلم الذاتي: لا تكتفِ بما يعطيك إياه المعلم. ابحث عن مصادر خارجية (يوتيوب، كورسات، كتب) لردم الفجوة بين ما تدرسه وما تحبه.
  • قوة التركيز: كما أن الشمس المشتتة تدفئ فقط، لكنها إذا حُصرت عبر عدسة في “بؤرة” واحدة حرقت الصخر.. كذلك ذهنك وجهدك، يقول ألكسندر غراهام بيل، في الحكمة التي صدّر بها برايان تريسي أحد أهم فصول كتابه (ابدأ بالأهم): “ركز كل أفكارك على المهمة التي بين يديك، فأشعة الشمس لا تحرق إلا إذا تجمعت في البؤرة”.هذه هي فلسفة النجاح التي نحتاجها في مدارسنا وفي حياتنا العملية، وتذكر دائماً: لكي تترك أثراً، لا بد أن تحترق في نقطة واحدة، لا أن تتبدد في فضاءات شتى.( برايان تريسي، (2006)، التهم ذلك الضفدع، ص75).

4. التوازن النفسي والجسدي:

  • النوم والرياضة: لا يمكن لعقل مكبل بالإرهاق أن يواجه التحديات؛ فالنوم الكافي هو عملية “صيانة” يومية لإزالة السموم الذهنية.
  • التحدث مع مختص: إذا شعرت أن الأسلاك تلتف حول عنقك وتسبب لك اكتئاباً أو قلقاً حاداً، فلا تتردد في طلب الاستشارة النفسية؛ فهي ليست عيباً بل شجاعة.

ً من الواقع.. كيف قصّ الآخرون أسلاكهم؟ (نماذج ملهمة)

لنتأمل هذه النماذج التي حولت العجز إلى إنجاز من خلال استراتيجيات بسيطة ومبتكرة (كال نيوبورت، كتاب (العمل العميق: قواعد للنجاح المركّز في عالم مشتت)، القاعدة الأولى: العمل بعمق – قسم “وضع الطقوس):

  1. نموذج “تفكيك الجبل” (أحمد – طالب هندسة): كان أحمد يعاني من سلك “التسويف”، حيث تراكمت عليه المواد حتى كاد ينسحب. قرر استخدام استراتيجية “الخمس دقائق”؛ أخبر نفسه أنه سيدرس 5 دقائق فقط. هذا الكسر البسيط لحاجز الرهبة جعله يستمر لساعات، محولاً الجبل الركامي إلى خطوات صغيرة مقدورة عليها.
  2. نموذج “العزل الرقمي” (سارة – طالبة ثانوية): كانت سارة تضيع 8 ساعات يومياً في تشتت بصري. عالجت ذلك بوضع هاتفها في صندوق مغلق في غرفة أخرى، واستخدمت “ساعة مكافأة” في نهاية اليوم. النتيجة كانت استعادة القدرة على “التركيز العميق” الذي افتقدته لسنوات.
  3. نموذج “بيئة بديلة” (خالد – طالب يقطن في ضجيج): لم يشتكِ خالد من ضيق مسكنه، بل اتخذ من المكتبة العامة “وطناً دراسياً”. فصل جسدياً ونفسياً بين مكان الراحة ومكان الجد، مما جعل عقله يتبرمج تلقائياً على العمل بمجرد دخول المكتبة.
  4. نموذج “الخطوات الصغيرة”: طبقاً لنظرية جيمس كلير في كتاب “العادات الذرية”، فإن الطالب الذي يواجه سلك التراكم لا يحتاج لجهد جبار، بل إلى تحسين بنسبة 1% يومياً. (مثال أحمد الذي بدأ بـ 5 دقائق دراسة).( كلير، جيمس (2019)، العادات الذرية، ص184 -190)

ثالثاً: خارطة الطريق (جدول قص الأسلاك  اليومي):

الفترة الزمنيةالنشاطالهدف (الأداة)
06:00 – 07:00استيقاظ + طقس صباحي (صلاة/رياضة)تهيئة المحرك الجسدي والروحي
07:00 – 08:30جلسة التركيز العميق (1)قص أصعب سلك (أصعب مادة) في قمة الصفاء
09:00 – 14:00الدوام الدراسي / المحاضراتالتفاعل الحي وتدوين الملاحظات الذكية
14:00 – 15:30غداء + قيلولة قصيرة (20) دقيقة)إعادة ضبط (Reset) للدماغ لرفع الكفاءة
15:30 – 18:00جلسة التركيز العميق (2)إنجاز المهام والواجبات اليومية فوراً
18:00 – 19:30وقت حر / تواصل / هوايةتفريغ الضغط النفسي (تزييت التروس)
19:30 – 21:00مراجعة خفيفة وتنظيم الغدالتأكد من عدم بقاء “ذيول” للمهام
21:00 – 22:00استرخاء (بعيداً عن الضوء الأزرق)تجهيز العقل لعملية تخزين المعلومات ليلاً

رابعاً: استراتيجيات العلاج المستمر :

  1. الاسترجاع النشط: بدل إعادة القراءة المملة، اختبر نفسك. أثبتت الدراسات التربوية أن هذه أنجح وسيلة لفك سلك النسيان.
  2. التكرار المتباعد : توزيع المراجعة على فترات زمنية، وهو ما يكسر سلك “تراكم ليلة الامتحان”.

خاتمة: العبور إلى الضفة الأخرى:

   إن حياة الطالب ليست مجرد درجات في شهادة، بل هي رحلة لبناء الشخصية. المعوقات أو “الأسلاك الشائكة” ستظل موجودة دائماً، حتى بعد التخرج وفي الحياة المهنية، لكن الطالب الذكي هو من يتعلم كيف يمر من خلالها دون أن تترك في روحه ندوباً دائمة.

تذكر دائماً: الأسلاك الشائكة تحمي المناطق الثمينة، ووصولك لقمة النجاح يستحق عناء الحذر والمحاولة.

المراجع  والمصادر :

  •  برايان تريسي، (2006)، ابدأ بالأهم ولو كان صعباً (التهم ذلك الضفدع)، مكتبة العبيكان، الرياض.
  • ستيل، بيرس (2010). معادلة التسويف: كيف تتوقف عن التأجيل وتبدأ في الإنجاز)، ترجمة: اسحق بندرى، دار  آفاق للنشر والتوزيع، كتاب الكتروني.
  • علاج التأجيل والتسويف: 9 خطوات للتغلب على المماطلة،(2015) مقال على الرابط:
https://aiacademy.info/blog
  • كارول أس دويك، طرق التفكير ( 2024) ، السيكولوجية الجديدة للنجاح، ترجمة مروة الجزائري ، دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع.
  • كلير، جيمس (2019)، العادات الذرية: طريقة سهلة وبناءة لبناء عادات جيدة والتخلص من العادات السيئة ،  ترجمة محمد فتحي خضر، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان.
  • نيوبورت، كال (2016). العمل العميق: قواعد للنجاح المركّز في عالم مشتت. ترجمة جرير.
  •  ( Bisera Apostolova، (2025) كل ما تحتاج معرفته حول تقنية بومودورو)، مقال على الرابط:
https://www.jibble.io/ar

8/1/2026

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد