آخر الأخبار

هجوم كردستان … إنذار إيراني لمن يفكّر بالاستغناء عنها

رأي و موقف

د. نبيل العتوم

الهجوم على حقل كورمور في اقليم كردستان العراق لم يكن مجرد حادث أمني عابر أو عملاً تخريبياً منفلتاً يبحث عن ضجيج عابر. القراءة السياسبة والامنية التي تفرضها طبيعة الهدف وتوقيت الضربة ونوع الرسالة المنبعثة من وراء الدخان، تشير بوضوح إلى أن العملية تحمل بصمات قوة إقليمية تدرك تماماً ما يعنيه استهداف أكبر حقل غاز طبيعي في العراق، وما يترتب على وقف إمداداته من تأثيرات تهزّ اقتصاد إقليم كردستان، وتمتد موجاتها إلى بغداد، وتصل ارتداداتها إلى مراكز القرار في واشنطن.

إيران، التي تتعامل مع الطاقة باعتبارها أحد أهم أدوات النفوذ الإقليمي، تجد في ملف الغاز العراقي ساحة صراع لا تقل أهمية عن السياسة أو الأمن والاستخبارات . وإذا كانت طهران قد قدّمت إشارات سابقة بأنها لا تمانع تطوير الطاقة المحلية في كردستان، فإنها في المقابل لا يمكن أن تسمح بتحوّل غاز الإقليم إلى بديل عملي عن الغاز الإيراني الذي تعتمد عليه بغداد في تشغيل المحطات الكهربائية. هذه العملية، بكل تفاصيلها التقنية والميدانية، تبدو أقرب إلى رسالة مدروسة، تخاطب في الظاهر أربيل، لكنها موجّهة فعلياً إلى واشنطن وبغداد: أي تحرّك يجعل العراق أقل اعتماداً على إيران، سيُواجَه بقوة، ولو عبر وكلاء يعملون في الظل ويعرفون جيداً حدود هامشهم وواجبات ارتباطاتهم.

توقيت الهجوم يزيد من قوة هذه الفرضية؛ فاستهداف كورمور جاء قبل ساعات من تحرك دبلوماسي أميركي حساس باتجاه بغداد وأربيل، و ورود تقارير استخبارية ايرانية تزعم تنشيط محطات أمنية في اربيل تدير مخططا واسعا لاستهداف الامن الايراني في العمق ، وفي لحظة تتزايد فيها الضغوط الأميركية لإطلاق مشاريع غاز محلية تُخفّف من نفوذ إيران في سوق الطاقة العراقي. الرسالة الإيرانية هنا ليست معقدة: مجال الطاقة هو خط أحمر، وأي عملية إعادة هيكلة قد تقلّل من اعتماد العراق على الغاز الإيراني، ستواجه بردّ مباشر، حتى إن لم يُعلن اسمه.

الجانب الاستخباري الأكثر وضوحاً يكمن في أسلوب الاستهداف. فالهجوم لم يُصمَّم لإحداث مجزرة بشرية أو تفجير شامل، بل نفّذ بدقة لاستهداف البنية التحتية الحرجة للحقل، وتحديداً خزانات الغاز التي تشكل قلب المنظومة الإنتاجية، بما يضمن أقصى تأثير اقتصادي مقابل أدنى مستوى من التبعات السياسية المباشرة. في عمليات كهذه، الدافع ليس خلق أزمة أمنية، بل إحداث فراغ طاقة يذكّر الجميع بمن يملك القدرة على التحكم بإمدادات الكهرباء في العراق بمجرد الضغط على الزناد عبر وسطاء.

القراءة السياسية للهجوم تشير كذلك إلى أن الضربة لم تستهدف كردستان بقدر ما استهدفت مشروع «روناكي» لتوفير كهرباء 24 ساعة، وهو المشروع الذي كانت أربيل تراهن عليه لتعزيز صورتها الداخلية وتقليل اعتمادها على بغداد. تعطيل هذا المشروع فجأة، وفي قلب الشتاء، يكشف عن محاولة لكسر أي نجاح اقتصادي قد يمنح الإقليم مزيداً من الاستقلالية أو القدرة على المناورة السياسية.

ولا يمكن إغفال البعد المتعلق بالصراع الكردي – الكردي. فطهران تدرك حساسية التوازن بين الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني، وقد استخدمت سابقاً أدوات داخلية في الإقليم لفرض رسائل سياسية وأمنية. الهجوم على منشأة تقع داخل نفوذ الاتحاد الوطني لكنه يضرب مشروعاً يروّج له الديمقراطي الكردستاني، يحمل في طياته محاولة لخلخلة البيت الكردي الداخلي عبر خلق اتهامات متبادلة ومناخ من الشك السياسي يخدم مصالح طهران في النهاية.

وفي العمق، فإن إيران ترسل إشارات بأنها تراقب التحرك الأميركي المتزايد في كردستان، خصوصاً مع افتتاح القنصلية الأميركية الأكبر في العالم في أربيل. ومن وجهة نظر استراتيجية ، ترى طهران أن أي مشروع يعزز استقلالية الإقليم اقتصادياً أو يجعله بوابة للطاقة نحو بغداد أو دول الجوار، يصب في خانة الإضعاف التدريجي للنفوذ الإيراني. ولهذا، فإن استهداف حقل يوفر 67% من كهرباء الإقليم ليس مجرد عملية تخريبية، بل هو تحرك استراتيجي لإعادة ضبط ميزان القوة.

الهجوم على كورمور إذاً ليس مجرد ضربة عسكرية، بل ضربة سياسية – اقتصادية – استخبارية متكاملة، هدفها تثبيت معادلة تقول: العراق لا يملك رفاهية الانفصال في مجال الطاقة عن إيران. وهذا الهجوم، سواء نفذته مجموعات بتوجيه مباشر أو عبر ترتيبات بالوكالة، يقدم لإيران مكسباً مزدوجاً: إضعاف مشاريع الطاقة البديلة في الإقليم، وخلق ضغط على بغداد يذكّرها بأن أمن الطاقة العراقي يمرّ عبر طهران أولاً وثانيا وثالثا .

الرسالة، وإن غُلّفت بالصمت من جانب طهران ، لكنها كانت أعلى صوتاً من الانفجار نفسه ..

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد