
بغداد – إيجاز
فجّرت عبارة الكاردينال لويس ساكو عن التطبيع عاصفة تفاعلات سياسية وشعبية واسعة في العراق، بعد تداول مقطع من حديثه خلال قداس علني، تحوّل من مناسبة دينية إلى محطة سجال عام، وسط اتهامات مباشرة له بإطلاق دعوة علنية للتطبيع مع الكيان الصهيوني في بلد يجرّم هذا المسار قانونياً ويعتبره خطاً أحمر وطنياً.
الحديث، الذي جاء في توقيت إقليمي شديد الحساسية، لم يُقرأ بوصفه زلة لغوية أو اجتهاداً عابراً، بل وُضع في إطار محاولة لجسّ نبض الشارع العراقي واختبار ردود الفعل الشعبية والسياسية تجاه ملف محسوم دستورياً وشعبياً. فمصطلح التطبيع في الوعي العراقي لا يحمل دلالات رمزية أو إنسانية، بل يرتبط مباشرة بمسار سياسي مرفوض، ومواجهة طويلة مع الاحتلال الصهيوني، ودعم راسخ للقضية الفلسطينية.
ومع اتساع رقعة الغضب، صدرت مواقف سياسية رافضة، كان أبرزها موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي شدد على أن التطبيع مرفوض جملةً وتفصيلاً، ولا يمكن تمريره تحت أي عنوان، محذراً من خطورة التلاعب بالثوابت أو محاولة تمييع المفاهيم في ملفات سيادية حساسة.
في السياق نفسه، برز موقف رئيس حركة بابليون ريان الكلداني، الذي وجّه انتقاداً مباشراً لتصريحات ساكو، معتبراً أنها تضع المكوّن المسيحي في موقف حرج، وتزجّه في صراعات سياسية لا تمثله.
الكلداني دعا ساكو إلى تحمّل مسؤوليته المعنوية والدينية، مطالباً إياه بتوضيح صريح، ومؤكداً أن أي خطاب يُفهم منه الترويج للتطبيع يضر بصورة المسيحيين العراقيين ويعرّضهم للاستغلال السياسي، في وقت يحتاج فيه هذا المكوّن إلى الحماية لا إلى فتح جبهات جدل جديدة.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الإدانة السياسية، إذ تصاعدت دعوات قانونية لمحاسبة ساكو، انطلاقاً من أن الدعوة العلنية للتطبيع، أو الترويج لها، تُعد خرقاً واضحاً للقانون العراقي النافذ، الذي يجرّم أي شكل من أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني. واعتبر متابعون أن المسألة لم تعد تتعلق بحرية رأي، بل بمسؤولية عامة لشخصية دينية بارزة، يفترض أن تكون أكثر إدراكاً لحساسية المصطلحات وخطورة الرسائل التي تبعثها.
ومع تزايد الضغط، صدرت لاحقاً محاولات تبرير وتوضيح من جهات مقربة من البطريركية، جرى فيها القول إن المقصود هو “تطبيع العالم مع العراق”، لا العراق مع أي طرف آخر. غير أن هذا التوضيح لم ينجح في احتواء الجدل، إذ رأى منتقدون أن المشكلة لا تكمن في النوايا المعلنة لاحقاً، بل في استخدام لفظة مشحونة سياسياً وقانونياً، وفي طرحها من منبر ديني عام، بما يفتح الباب أمام تأويلات خطيرة.
في المحصلة، أعادت هذه الحادثة التأكيد على أن ملف التطبيع في العراق ليس مساحة رمادية أو قابلة للاختبار، بل ثابت وطني مغلق، وأن أي محاولة للاقتراب منه، سواء بدافع جسّ النبض أو كسر المحظور، ستُواجَه برفض شعبي وسياسي حاد. كما كشفت أن الخطاب الديني، حين يغادر حدوده الروحية ويدخل حقول السياسة الحساسة، يصبح عرضة للمساءلة، وأن وحدة الموقف الشعبي في هذا الملف ستبقى أقوى من أي محاولة لفرض مسار مرفوض على العراقيين.