
بغداد – إيجاز
تكشف أزمة الجمارك الأخيرة حجم الخلل العميق في إدارة ملف الاستيراد داخل حكومة إقليم كردستان* التي ما تزال حتى الآن خارج منظومة “أسيكودا”، رغم اعتماد النظام رسمياً من قبل الحكومة الاتحادية بوصفه أداة مركزية لضبط الكمارك، ومنع تهريب الدولار، وربط الطلب على العملة الأجنبية بالبضائع الفعلية الداخلة إلى البلاد
غياب “أسيكودا” عن منافذ الإقليم لم يعد تفصيلاً إدارياً، بل تحوّل إلى ثغرة اقتصادية واضحة، أفرزت سوقاً استيرادية موازية تعمل خارج الضوابط المعتمدة في بقية المنافذ العراقية، وأسهمت في تشويه المنافسة، وإضعاف الإيرادات، وخلق مسار غير منضبط لحركة الدولار والتجارة
وبينما شرعت الحكومة الاتحادية بتطبيق تعرفة كمركية جديدة في منافذها الرسمية، برز تفاوت صارخ مع منافذ الإقليم، حيث لا تزال الرسوم شبه صفرية، ما جعل الاستيراد عبر كردستان أكثر ربحاً للتجار، على حساب المنافذ الاتحادية، التي تُفرض فيها رسوم قد تصل إلى نحو 30 بالمئة من قيمة البضائع، وهو تفاوت خلق حوافز واضحة للتهرب، وأعاد إنتاج الإغراق السلعي للسوق العراقية
هذا الخلل دفع الحكومة الاتحادية إلى نشر ثلاث سيطرات بين مناطق الإقليم وبقية المحافظات، في خطوة تعكس انعدام توحيد السياسة الكمركية، وتهدف إلى منع دخول البضائع المستوردة عبر الإقليم قبل استيفاء الرسوم المفروضة اتحادياً، وهو إجراء يعيد إلى الواجهة تجارب سابقة مثل “سيطرات الصفرة”، التي أُزيلت بناءً على تفاهمات سياسية لم تُنتج حلاً دائماً ولا معالجة حقيقية لجذر المشكلة
وتتجاوز تداعيات هذا الواقع مسألة الجباية، إذ أدى استمرار دخول بضائع منخفضة الكلفة دون كمارك حقيقية إلى إلحاق أضرار مباشرة بالصناعة الوطنية، وتقويض أي فرصة لحماية المنتج المحلي، في وقت تبحث فيه الدولة عن مصادر بديلة لتعظيم الإيرادات غير النفطية
أما من الناحية الفنية، فإن استمرار الإقليم خارج نظام “أسيكودا” يعني عملياً استحالة تطبيق آليات المطابقة الإلكترونية، التي تشترط تدقيق الفواتير رقمياً وربطها بالبضائع الموجودة فعلياً في المنفذ قبل السماح بإطلاقها، وهو ما يجعل منافذ الإقليم خارج منظومة الرقابة الرقمية التي تعتمدها الدولة حالياً
وفي ظل هذا الانسداد، بدأت تلوح مؤشرات على بحث بغداد عن مسارات بديلة لحركة الاستيراد، عبر تحويل جزء من التجارة من تركيا إلى سوريا، مروراً بمنفذي ربيعة في نينوى أو القائم في الأنبار، كخيار مؤقت لتقليص أثر الخلل القائم، ريثما يلتزم الإقليم بالانضمام إلى النظام الكمركي الموحّد
وبرغم تصاعد الاعتراضات والتظاهرات المرتبطة بملف الكمارك، إلا أن جوهر الأزمة لا يتمثل في نظام “أسيكودا” بحد ذاته، بل في نسب الرسوم المرتفعة التي تحتاج إلى مراجعة فعلية، غير أن ذلك لا يبرر، وفق القراءة الاقتصادية، استمرار إقليم كردستان خارج الإطار الوطني لتنظيم التجارة والجمارك، وما يترتب على ذلك من كلف اقتصادية وسيادية متراكمة.