
بغداد – إيجاز
تشعر الأوساط الاقتصادية في إقليم كردستان بقلق متزايد بعد انطلاق أول قافلة ترانزيت تجارية من تركيا إلى العراق عبر الأراضي السورية، في خطوة ينظر إليها باعتبارها بداية لتحول تدريجي في خريطة التجارة الإقليمية ومسارات النقل البري التي ظل الإقليم يهيمن على جزء كبير منها طوال السنوات الماضية.
وشهدت المعابر الحدودية السورية ـ العراقية خلال الساعات الماضية عبور أولى الشاحنات التركية المحمّلة بالبضائع باتجاه العراق عبر مسار يبدأ من تركيا مروراً بمنفذ تل أبيض داخل الأراضي السورية وصولاً إلى منفذ اليعربية ـ ربيعة الحدودي مع العراق، في أول عملية عبور من هذا النوع منذ سنوات طويلة.
وأثار هذا التطور مخاوف داخل الأوساط الكردية من أن يؤدي فتح الممر السوري الجديد إلى تقليص الأهمية التجارية والاقتصادية لمنفذ إبراهيم الخليل، الذي يمثل الشريان التجاري الأهم بين العراق وتركيا، وأحد أبرز مصادر الإيرادات الجمركية والنشاط اللوجستي لإقليم كردستان.
وتحدثت تقارير إعلامية كردية عن أن إعادة تشغيل خطوط الترانزيت عبر سوريا قد تفتح الباب أمام تحولات أوسع في حركة الشحن الإقليمي، خصوصاً إذا نجحت بغداد ودمشق في تقديم تسهيلات جمركية وأسعار نقل أقل وكلف تشغيلية منافسة مقارنة بالطرق التقليدية التي تمر عبر الإقليم.
ويرى مراقبون أن أهمية الخط الجديد لا تتعلق فقط بمرور عدد محدود من الشاحنات، بل بما يمثله من مؤشر على سعي بغداد لإعادة توزيع مسارات التجارة الخارجية وربط العراق بمنافذ متعددة بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على المعابر الشمالية.
وخلال السنوات الماضية، تحول منفذ إبراهيم الخليل إلى نقطة العبور الرئيسية للبضائع التركية نحو الأسواق العراقية، ما منح إقليم كردستان ثقلاً اقتصادياً كبيراً في ملف التجارة والنقل، فضلاً عن استفادة قطاعات واسعة مرتبطة بالشحن والتخزين والخدمات اللوجستية.
لكن إعادة تفعيل المنافذ العراقية ـ السورية مؤخراً بدأت تثير تساؤلات حول مستقبل هذه المعادلة، خاصة بعد افتتاح منفذ ربيعة ـ اليعربية في نيسان الماضي، إلى جانب إعادة تشغيل منفذ الوليد ـ التنف في الأنبار بعد إغلاق دام أكثر من 11 عاماً.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية “سانا”، فإن عبور القافلة التركية يأتي ضمن خطة لإعادة تنشيط ممرات الترانزيت الدولية وتحويل سوريا مجدداً إلى عقدة نقل إقليمية تربط تركيا بالعراق ودول الخليج.
وقالت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية إن هذه الخطوة تمثل “مرحلة أولية” ضمن مشروع أوسع لتفعيل حركة النقل البري ورفع كفاءة المعابر الحدودية وتسهيل إجراءات عبور الشاحنات والبضائع.
في المقابل، تنظر بغداد إلى هذا المسار باعتباره جزءاً من مشروع اقتصادي أوسع يهدف إلى تحويل العراق إلى مركز عبور إقليمي يربط الخليج وتركيا وسوريا والأردن، بالتوازي مع مشروع “طريق التنمية” الذي تراهن عليه الحكومة العراقية لإعادة رسم خريطة النقل والتجارة في المنطقة.
ويعتقد مختصون أن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بعوامل أمنية وسياسية معقدة، أبرزها استقرار الطرق داخل الأراضي السورية، وقدرة الحكومتين العراقية والسورية على تأمين خطوط النقل وضمان انسيابية الشحن التجاري بصورة منتظمة، فضلاً عن مدى إقبال الشركات التركية على استخدام الطريق الجديد بشكل دائم.
ورغم أن الحديث ما يزال يدور عن قوافل محدودة وتجريبية، فإن مجرد إعادة فتح هذا الخط بعد سنوات من الإغلاق يعكس تحولات اقتصادية وسياسية أوسع قد تعيد مستقبلاً رسم موازين التجارة البرية في المنطقة، وتدفع نحو منافسة جديدة بين الممرات التقليدية والمسارات البديلة.