آخر الأخبار

الصدر يمنع سلاح سراياه: تهدئة أم رسالة سياسية؟

بغداد – إيجاز

مع اقتراب موعد الانتخابات في العراق، يزداد المشهد سخونة وتعقيداً، إذ لم يغب التيار الصدري عن واجهة الأحداث رغم إعلانه مقاطعة الاستحقاق المقبل. فقد أصدر زعيم التيار مقتدى الصدر توجيهاً جديداً لأنصاره شدد فيه على منع المظاهر المسلحة بشكل كامل، حتى بالنسبة إلى “سرايا السلام”، باستثناء مواقع المواجهة مع الإرهاب، معتبراً أن هذه الخطوة جاءت لتفويت الفرصة على من وصفهم بـ”الفاسدين” الذين يسعون إلى إشعال الفتنة.

وجاء في التوجيه الذي كُتب بخط يد الصدر، أن أي ظهور مسلح أو خرق للتعليمات سيُعدّ باباً للعقوبة، لأن من يرتكبه إما جاهل أو مندس، مطالباً أتباعه بالطاعة وعدم الخروج عن القرار. كما شدد على منع إقامة التجمعات أو التظاهرات حتى السلمية منها ما لم تصدر بأمر مباشر منه، داعياً إلى الاكتفاء بالرد على الحملات التي تستهدفه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن أي إساءة توجه له لا تستحق التفاعل أو الرد في الوقت الحالي.

هذا الموقف ترافق مع أحاديث عن رفض الصدر لقاء عدد من قادة الإطار التنسيقي خلال الأيام الماضية، بعد أن سعوا إلى الحصول على دعمه لإحدى القوائم الانتخابية. وفي خضم هذا التوتر، تفجرت أزمة جديدة إثر تصريحات الناشط علي فاضل، الذي تحدث عبر أحد البرامج عن امتلاكه معلومات تشير إلى وجود مخطط لاغتيال الصدر بواسطة طائرة مسيرة خلال زيارته لمرقد والده في النجف، على حد تعبيره.

إثارة هذه المزاعم أشعلت الساحة وزادت المخاوف الأمنية، خصوصاً بعد انتشار عناصر من “سرايا السلام” في محافظة البصرة، وهو ما أعطى الانطباع بأن هناك استعداداً لمواجهة أي تطور ميداني محتمل. وفي المقابل، سارع النائب ياسر المالكي، المتهم في هذه الرواية، إلى إصدار بيان نفى فيه جميع الادعاءات، واصفاً ما ورد بأنها “افتراءات وأباطيل” تستهدف إثارة الفتنة، متوعداً بملاحقة كل من يروج لها قضائياً.

في خضم هذه التطورات، استعاد الصدر خطابه السياسي المرتفع، إذ دعا إلى ما أسماه “تغيير الصماخات” لا مجرد تبديل الوجوه، مؤكداً أن الإصلاح الحقيقي يعني معالجة جذور الأزمة السياسية في البلاد، والتخلص من التبعية للخارج، وضمان الحقوق المائية والكهربائية، إضافة إلى إنهاء حالة السلاح المنفلت. واعتبر أن البديل عن مقاطعة الانتخابات هو الإصلاح الشامل والتغيير العميق بطرق سياسية وقانونية، مع التشديد على ضرورة إبعاد التدخلات الأجنبية عن القرار الوطني.

وكان الصدر قد أعلن في آذار الماضي مقاطعته للانتخابات المقبلة، مجيباً على سؤال من أحد أنصاره بأنه “ما دام الفساد قائماً فلن يشارك في عملية انتخابية عرجاء لا هم لها سوى المصالح الطائفية والعرقية والحزبية”، مؤكداً أنه كما أمر أنصاره بالتصويت في مراحل سابقة، فإنه اليوم ينهاهم عن المشاركة بالتصويت أو الترشيح باعتبار ذلك إعانة على الفساد. ومنذ ذلك الإعلان، تصاعدت حدة المقاطعة داخل التيار، إلى حد أن الشوارع شهدت انتشار لوحات كبيرة تحمل شعار “مقاطعون” كرسالة واضحة للجمهور.

هذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها الصدر انسحابه من المسار السياسي، فقد سبق له أن قرر في حزيران 2022 الانسحاب من العملية السياسية برمتها، داعياً نوابه الثلاثة والسبعين إلى الاستقالة من البرلمان، ومعلناً أنه لا يريد أن يكون جزءاً من المشهد الذي وصفه بالمليء بالفاسدين. ومع أن قراراته أثارت في حينها جدلاً واسعاً، فإنها رسخت صورة الصدر كفاعل سياسي قادر على قلب المعادلات بخطوة واحدة، سواء بالمشاركة أو بالانسحاب.

واليوم، ومع تحديد الحادي عشر من تشرين الثاني موعداً رسمياً لإجراء الانتخابات التشريعية، يقف العراق أمام مشهد معقد تتقاطع فيه رسائل التهدئة التي أطلقها الصدر مع نبرة تصعيدية تحذر من خطوات مفاجئة من خصومه “عشاق السلطة ومحبي الكراسي”، على حد تعبيره. وبين هذه المواقف المتباينة، يبقى موقف التيار الصدري، رغم المقاطعة، مؤثراً في موازين القوى، وقد يكون حاسماً في تحديد اتجاهات المرحلة المقبلة ومصير العملية السياسية برمتها.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد