آخر الأخبار

المجلس السياسي الوطني… محاولة لإنقاذ البيت السني أم لتقاسم الخسائر؟

بغداد – إيجاز

تعيش الساحة السياسية السنية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، وسط تحركات متسارعة لرسم خريطة النفوذ داخل البرلمان المقبل، وتحديد من يتصدر المشهد في المنصب الأول للمكوّن. التطورات الأخيرة كشفت عن تداخل واضح بين الحسابات الحزبية والمقاربات الخارجية، خصوصاً بعد الإعلان عن تشكيل تكتل جديد حمل اسم «المجلس السياسي الوطني» الذي يضم أبرز القوى السنية الفائزة بالانتخابات.

وجاء الإعلان عقب اجتماع موسّع في بغداد، ضمّ قادة خمسة أحزاب وتحالفات رئيسية: تقدّم، السيادة، عزم، حسم، والجماهير. الخطوة وُصفت بأنها محاولة لجمع البيت السني تحت مظلة واحدة، بعد خوض الانتخابات بقوائم متفرقة، وفي ظل صراع محموم على ترتيب الحصص والمناصب داخل النظام السياسي المقبل.

ورغم الإعلان عن التكتل الجديد، تستمر الخلافات داخل البيت السني حول المنصب الأول المخصص للمكوّن، إذ يبرز حديث متصاعد عن وجود «فيتو» على حصول أكبر الفائزين، رئيس حزب تقدّم محمد الحلبوسي، على منصب رئاسة البرلمان أو أي منصب سيادي آخر. ويأتي هذا الحديث وسط إشارات إلى تحفظات كردية وشيعية متقاطعة.

وتتداول الكواليس السياسية أن الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، يعد أبرز الجهات المتحفظة على ترشيح الحلبوسي، على خلفية التوترات التي شابت العلاقة بين الطرفين خلال الدورات السابقة، وصولاً إلى مطالبة الحلبوسي بمنصب رئاسة الجمهورية خلال الدعاية الانتخابية. هذا الموقف الكردي يُتوقع أن يلقى التفاتاً من القوى الشيعية التي تعمل على إبقاء قنوات التفاهم مع أربيل مفتوحة، خاصة في ظل ارتباطات واسعة لبارزاني بملفات إقليمية ودولية.

كما لا تزال مسألة تصديق المحكمة الاتحادية على عضوية الحلبوسي معلّقة، بعد أن صدر قرار بقبول ترشحه من الهيئة القضائية دون عرضه على الاتحادية، ما يفتح باباً لاستغلال هذا الملف في أي تسوية سياسية لاحقة.

وحصل حزب تقدّم في الانتخابات الأخيرة على 35 مقعداً، يليه تحالف عزم بـ17 مقعداً، ثم تحالف السيادة بـ13 مقعداً، وتحالف حسم بـ8 مقاعد، فيما نال حزب الجماهير 3 مقاعد. هذه الخريطة الرقمية تُظهر تقدّم الحلبوسي على بقية القوى، لكنها لا تمنحه أغلبية مطلقة داخل المكوّن، ما يتيح لتحالفات أخرى إمكانية طرح مرشح بديل إذا ما توحدت داخل كتلة أكبر.

ويجري تداول أسماء عدة كخيارات بديلة في حال تعذر تمرير اسم الحلبوسي، من بينها محافظ الأنبار الحالي محمد نوري، ووزير التخطيط محمد تميم، اللذان يُنظر إليهما كمرشحين محتملين يحظيان بقبول أوسع داخل القوى السنية الأخرى، وربما أقل اصطداماً بالتحفظات الكردية.

على الضفة الأخرى، تثار أيضاً تباينات داخل حزب تقدّم نفسه، حيث تمتلك بعض الشخصيات طموحاً لشغل المنصب، وهو ما قد يشكل ضغطاً داخلياً إضافياً على خيارات الحلبوسي.

وفي المقابل، يتمسك حزب تقدّم بترشيح زعيمه لرئاسة البرلمان، على اعتبار أنه الحزب السني الأكبر من حيث عدد المقاعد، ويطالب القوى الأخرى باحترام نتائج الانتخابات، كما يجري العمل به في المكونات الأخرى، حيث يختار كل مكون مرشحه للموقع المخصص له ضمن العرف السياسي المعتمد منذ عام 2005.

وتستند مطالب الحلبوسي إلى أن ملفه القضائي قد طوي بعد مشاركته في الانتخابات الأخيرة، عقب قرار سابق للمحكمة الاتحادية في 2023 بإلغاء عضويته على خلفية قضية تزوير توقيع النائب السابق ليث الدليمي، وهو القرار الذي أثار حينها جدلاً واسعاً.

ومنذ أكثر من 18 عاماً، استقرت الأعراف السياسية في العراق على أن يكون منصب رئاسة الوزراء للمكون الشيعي، ورئاسة الجمهورية للكرد، ورئاسة مجلس النواب للسنة. إلا أن نتائج الانتخابات الأخيرة، وما رافقها من تعقيدات، تفتح الباب أمام احتمالات جديدة، من بينها إعادة توزيع المناصب أو تثبيت العرف القديم بشروط مختلفة.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن التفاهمات السنية – السنية لا تزال في بدايتها، وأن المجلس السياسي الوطني أمام اختبار حقيقي: إما التحول إلى مظلة فاعلة قادرة على إنتاج مرشح توافقي، أو البقاء إطاراً شكلياً لا يوقف التصادم بين القوى السنية التي تدخل واحدة من أكثر جولات المفاوضات حساسية منذ 2003.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد