
بغداد – إيجاز
تشهد المدارس العراقية تراجعاً حاداً في حضور الإرشاد التربوي داخلها، حتى بات دوره الحيوي شبه غائب، في وقت تتزايد فيه السلوكيات السلبية والمنحرفة بين التلاميذ في مختلف المراحل الدراسية، ما يثير مخاوف حقيقية لدى الأهالي والمختصين من تداعيات غياب هذه المنظومة على الجيل الجديد.
الإرشاد التربوي يُعد ركناً أساسياً في البنية التعليمية، فهو لا يقتصر على معالجة المشكلات السلوكية أو النفسية، بل يسهم في غرس قيم الانتماء والاحترام وتنمية مهارات التواصل والتفكير الإيجابي. غير أن واقع المدارس اليوم يكشف عن ضعف واضح في هذا الجانب، بسبب قلة الكوادر المتخصصة، وغياب الخطط المؤسسية، وافتقار المدارس إلى برامج إرشادية ممنهجة أو حتى غرف مخصصة لهذا النشاط، ما جعل كثيراً من التلاميذ في مواجهة مباشرة مع بيئة مضطربة دون دعم نفسي أو تربوي.
وقد رافق هذا الغياب تصاعد سلوكيات مقلقة داخل المدارس، مثل التنمر والعنف اللفظي والجسدي، واستخدام العبارات النابية، بل وتطور الأمر في بعض الحالات إلى تعاطي السجائر والمخدرات بين المراهقين، فضلاً عن ظواهر جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا، مثل التصوير داخل الصفوف ونشر المقاطع الساخرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يعكس انهياراً تدريجياً في منظومة القيم والسلوك داخل البيئة التعليمية.
ويُجمع التربويون على أن وجود المرشد التربوي داخل المدرسة لم يكن يوماً عملاً شكلياً، بل ضرورة تربوية تسهم في بناء شخصية الطالب، ومراقبة تحوّلاته النفسية والسلوكية في مرحلة المراهقة. فالمرشد هو حلقة الوصل بين الطالب والمعلم من جهة، وبين المدرسة والأسرة من جهة أخرى، ودوره يمتد إلى كشف الميول الخطرة أو الانعزالية لدى بعض التلاميذ ومعالجتها مبكراً قبل أن تتطور إلى مشكلات مجتمعية أعمق.
ويؤكد مختصون أن ضعف الإرشاد التربوي بعد عام 2003 يعود إلى غياب الدعم الحكومي، وتراجع الاهتمام بالمجال النفسي والاجتماعي داخل المدارس، إذ بات التركيز ينحصر في المناهج الدراسية والتحصيل الأكاديمي، في حين أُهملت الجوانب التربوية التي تشكل العمود الفقري لأي نظام تعليمي متوازن. كما أسهمت التحولات الاجتماعية والانفتاح الإعلامي الواسع في مضاعفة التحديات التي يواجهها التلاميذ، في غياب أي توجيه تربوي منظم.
وزارة التربية من جانبها تؤكد في بياناتها أنها تعمل على إعادة تفعيل مكاتب الإرشاد التربوي في المدارس، لكنها تصطدم بعقبات مالية وإدارية، منها نقص الكوادر، وضعف المخصصات، وعدم وجود تشريعات تنظم هذا العمل أو تحدد مهامه بشكل واضح. ومع ذلك، يطالب باحثون في علم النفس التربوي بإعادة النظر في هذا الملف بصورة شاملة، تبدأ من إعداد مرشدين مؤهلين أكاديمياً ومهنياً، مروراً بتزويدهم ببرامج تدريبية حديثة تتماشى مع طبيعة المجتمع العراقي الحالي، وانتهاء بدمج الإرشاد ضمن العملية التعليمية اليومية لا بوصفه نشاطاً ثانوياً.
إن غياب الإرشاد التربوي لا ينعكس فقط على سلوك التلاميذ داخل الصفوف، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأسره، إذ يؤدي تراكم السلوكيات المنحرفة إلى بيئة مدرسية مضطربة تولّد جيلاً يعاني من ضعف الانتماء وتشوّش القيم. ومع كل عام دراسي جديد، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لإحياء هذا الدور، وتحويله من وظيفة شكلية إلى منظومة فاعلة تحمي التلاميذ وتغرس فيهم قيماً إنسانية قادرة على بناء مجتمع متوازن ومتعافٍ.