
بغداد – إيجاز
أعلنت وزارة التربية العراقية تقليص الموضوعات الدراسية المشمولة في الامتحانات الوزارية للمراحل المنتهية للعام الدراسي 2025-2026، استجابة لمطالبات متكرّرة من جهات تربوية وبرلمانية رأت أنّ المناهج الدراسية الحالية تفوق قدرة الطلبة والمدارس على استيعابها ضمن عام دراسي مضطرب. ويشمل القرار الصادر، أمس الاثنين، وفق بيان للوزارة، طلبة المراحل المنتهية؛ السادس الابتدائي، والثالث متوسط، والسادس الثانوي، فضلاً عن مدارس المتميّزين، في خطوة تعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية في العراق.
ويهدف القرار، الذي أقرته هيئة الرأي برئاسة وزير التربية أحمد الأسدي، إلى “دعم الطلبة وتحسين أدائهم الدراسي، مع التأكيد أنّ المواد المحذوفة من الامتحانات ستبقى ضمن المنهج الدراسي وتدرس خلال الاختبارات الشهرية، لتفادي حدوث فجوة معرفية”، ويسلّط القرار الضوء على أزمة أعمق تتعلق ببنية الدراسة في العراق، التي تواجه تحديات متراكمة تتراوح بين كثافة المناهج وكثرة العطل الرسمية، وصولاً إلى ظروف أمنية تؤثر مباشرةً على انتظام الدوام في عدد من المناطق.
ويصف جاسم الشجيري، وهو مدير إحدى المدارس الثانوية في بغداد، القرار بأنه “ضروري وليس خياراً”، موضحاً أنّ “العام الدراسي في العراق لا يستكمل فعلياً بسبب كثرة العطل والمناسبات، فضلاً عن الانقطاعات المفاجئة التي تعطل الخطة التدريسية”، مضيفاً أنّ “إدارات المدارس غالباً ما تجد نفسها أمام ضغط زمني كبير يدفعها إلى تسريع الخطط الدراسية أو تجاوز بعض التفاصيل، ما يؤثر على جودة التحصيل العلمي للطلبة”.
من جهته، أكد عضو في نقابة المعلمين العراقيين زيد الجميلي، أن المشكلة لا تكمن في كثافة المناهج الدراسية، بل في “غياب التوازن بين المحتوى الدراسي والوقت المتاح”، مشيراً إلى أنّ “السنوات الأخيرة شهدت تزايداً في عدد أيام العطل الرسمية أو غير رسمية، وهو ما يجعل من الصعب إكمال المناهج بالشكل المطلوب”، وشدد على أنّ تقليص المواد في الامتحانات يمثل “إجراءً إسعافياً”، لكنه لا يعالج جذور المشكلة.
ويشير تربويون إلى أنّ المناهج العراقية، رغم تطويرها خلال السنوات الماضية، لا تزال موسعة جداً مقارنة بالوقت الفعلي للتدريس، ما يضع الطلبة أمام تحدٍ يتمثل في إمكانية استيعاب محتوى مكثف خلال فترة زمنية غير مستقرة، كما تتداخل العوامل الأمنية مع الواقع التعليمي، إذ تعرضت مدارس عديدة، خصوصاً في مناطق قريبة من مواقع عسكرية أو مؤسسات حساسة، لتعطيل مكرر هذا العام نتيجة التوترات والهجمات التي شهدتها بعض المحافظات في ظل الظروف الحالية، وإلى جانب العطل والانقطاعات المتكررة، أسهمت في تقليص الأيام الدراسية الفعلية، ما انعكس سلباً على قدرة المدارس في إكمال المناهج وفق الخطة المقررة.
وفي هذا السياق، يرى مختصون أن معالجة المشكلة تتطلب إعادة نظر شاملة في هيكلية العام الدراسي، بما يشمل تنظيم العطل الرسمية وتوزيعها على نحوٍ يتلاءم مع متطلبات العملية التعليمية، فضلاً عن اعتماد مناهج أكثر مرونة تراعي خصوصية الواقع التعليمي.
وقال مازن عبد الجليل، وهو مختص في الشأن التعليمي، إنّ “هناك حاجة إلى تطوير آليات بديلة، مثل التعليم الإلكتروني أو الدروس التعويضية، لتعويض الخلل التعليمي خلال فترات الانقطاع”، مؤكداً أنّ “الاقتصار على تقليص المناهج في الامتحانات قد يؤدي إلى تراكم فجوات معرفية على المدى البعيد، إذا لم يرافق بإصلاحات أوسع”.
في المقابل، رأت لجنة التربية البرلمانية أن خطوة الوزارة تمثل استجابة ضرورية للضغوط التي يواجهها الطلبة، ولا سيّما مع اقتراب الامتحانات النهائية، لكنها شدّدت على أهمية أن تكون هذه الإجراءات جزءاً من خطة إصلاحية متكاملة، لا مجرد حلول مؤقتة تتكرر مع كل عام دراسي.
وبينما يخفف القرار الحالي من عبء الامتحانات على الطلبة، فإنه يفتح في الوقت ذاته باباً أوسع للنقاش حول مستقبل التعليم في العراق، والحاجة إلى تكييف المناهج والنظم الدراسية مع واقع يتسم بعدم الاستقرار، بما يضمن تحقيق توازن بين جودة التعليم وإمكانية تطبيقه على الأرض.