آخر الأخبار

رؤية تحليلية في تصريحات المبعوث الأميركي: ملامح الاستراتيجية الجديدة لواشنطن في العراق

بقلم/ خالد الغريباوي

تكشف تصريحات المبعوث الأميركي الخاص توم باراك عن أن واشنطن دخلت فعلياً مرحلة إعادة تقييم شاملة لسياستها في العراق، بعد عقدين اتسمت بالتردد والانسحاب والرهان الخاطئ على حلول لم تنجح في منع الفوضى، أو في بناء دولة مستقرة، اعتراف باراك بخسائر “ثلاثة تريليونات دولار” وبـ“تاريخ كارثي استمر عشرين عاماً” ليس مجرد نقد ذاتي، بل هو إعلان عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، عنوانها: عودة أميركا إلى العراق باعتباره ضرورة استراتيجية لا يمكن التخلي عنها.

فالولايات المتحدة ترى اليوم أن العراق عاد ليشكّل حجر الارتكاز في ميزان القوة الإقليمي، خصوصاً بعد تقلّص نفوذ إيران في لبنان وسوريا واليمن، وتحوله إلى الساحة الأخيرة التي لا تريد طهران خسارتها بأي ثمن، ولذلك تضع واشنطن العراق في صدارة أجندتها الأمنية والسياسية خلال السنوات المقبلة، بوصفه الموقع الوحيد القادر على كبح التمدد الإيراني، وضبط أمن الطاقة، ومنع روسيا والصين من التغلغل في عمق الشرق الأوسط.

الاستراتيجية الأميركية الجديدة ليست عسكرية بالمعنى التقليدي، لكنها ليست سلمية أيضاً. إنها استراتيجية “الضغط المركّب” التي تجمع بين تعزيز الدولة العراقية، وضرب مسارات نفوذ الفصائل المسلحة، وإعادة بناء شبكة النفوذ الأميركية داخل بغداد وأربيل بشكل يضمن ثباتاً طويل الأمد. فالرؤية الجديدة لواشنطن تفترض أن العراق لن يستقر طالما بقي السلاح خارج سيطرة الدولة، وطالما ظلت القرارات الكبرى مرهونة لقوى غير حكومية تمتلك ولاءات عابرة للحدود. ولذلك تتجه الولايات المتحدة إلى دعم الحكومة العراقية وإن بشكل غير معلن لإعادة فرض سيادة مؤسساتها، مع منحها مساحة للتحرك السياسي من دون الاصطدام المباشر بالفصائل المسلحة.

وقد شدد باراك في حديثه على أن البنية السياسية في بغداد تعاني اختناقاً واضحاً بسبب نفوذ الفصائل المسلحة وممثليها داخل العملية السياسية، وهو توصيف يعكس حجم القلق الأميركي من أن النظام الحالي بات عاجزاً عن إنتاج استقرار دائم. هذا القلق يدفع واشنطن إلى التفكير في صيغة جديدة لإدارة العلاقة بين بغداد وأربيل، تتجاوز الفيدرالية التقليدية وتضمن توزيعاً أكثر صلابة للسلطة يمنع الانهيار ويغلق الطريق أمام الفوضى التي تستفيد منها قوى ما دون الدولة.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعلن أنها لا تريد مواجهة مباشرة مع إيران داخل العراق، فإن مجمل التحركات الأميركية تشير إلى أنها مستعدة للذهاب إلى مستويات أعلى من الضغط إذا اقتضت الضرورة. فالمؤشرات الصامتة في واشنطن تتحدث عن خيار “العمليات المحدودة الدقيقة” إذا تجاوزت الفصائل المسلحة الخطوط الحمراء، وخاصة تلك المرتبطة بأمن القواعد الأميركية، أو تهديد خطوط الطاقة، أو محاولة فرض سيطرة كاملة على القرار الأمني. هذا لا يعني بالضرورة حرباً شاملة، لكنه يعني أن العراق قد يدخل مرحلة حساسة يتراجع فيها هامش المناورة أمام القوى القريبة من طهران.

ومن الخطأ الاعتقاد بأن هذه المقاربة الجديدة تعكس رغبة أميركا في العودة العسكرية، فهي تبحث عن نفوذ مستدام بأدوات اقتصادية وسياسية، عبر إعادة تموضع شركاتها، وإحياء مشاريع الطاقة والغاز، وتثبيت وجود طويل الأمد في إقليم كردستان وفي الموانئ الجنوبية، وربط العراق بمنظومة إقليمية جديدة تمنع تحوّله إلى منطقة نفوذ أحادية.

هذا التحول يعكس قناعة متأخرة لدى واشنطن بأن ترك العراق لمعادلات الفوضى كان خطأً استراتيجياً فتح الباب واسعاً أمام النفوذ الإيراني، واليوم يبدو أن الولايات المتحدة تستعد لمرحلة أكثر حزماً، عنوانها: استعادة التوازن داخل العراق، حتى لو تطلّب الأمر تحركات ضاغطة قد تصل إلى عمليات محدودة تشكل صدمة للجهات التي تحاول تجاوز حدود الدولة.

الخلاصة أن العراق يدخل فصلاً جديداً في صراع الإرادات. فواشنطن التي خسرت الكثير في العقدين الماضيين، لا تبدو مستعدة لخسارة العراق مرة أخرى ، وطهران التي تعتبر العراق آخر ساحات نفوذها الواسع ستقاتل بكل أدواتها لمنع واشنطن من إعادة بناء موطئ قدم قوي فيه. وبين هذا وذاك، يتحدد مستقبل الدولة العراقية، التي ستجد نفسها في قلب معادلة جديدة أكثر تعقيداً، لكنها للمفارقة تحمل فرصة لإعادة إنتاج الدولة إذا أحسنت إدارتها واستثمرت اللحظة قبل أن تنزلق البلاد إلى مواجهة لا يريدها أحد، لكنها لم تعد مستبعدة.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد