آخر الأخبار

رواتب مقطوعة وأفق مسدود: لماذا يهرب شباب الإقليم إلى المجهول؟

بغداد – إيجاز
تتسارع وتيرة هجرة الشباب من إقليم كردستان في مشهد يعكس أزمة مركبة تتجاوز بعدها الاقتصادي إلى خلل سياسي وإداري عميق، بعدما تحوّل الإقليم الذي قُدِّم لسنوات بوصفه نموذجاً للاستقرار إلى بيئة طاردة لآلاف من أبنائه، ولا سيما من الفئة العمرية بين 18 و25 عاماً.

الأرقام المتداولة خلال العامين الأخيرين تشير إلى أن أكثر من 148 ألف مواطن كردي غادروا الإقليم منذ عام 2014، غالبيتهم من الشباب، فيما فقد 414 شخصاً حياتهم خلال محاولات الهجرة، أغلبهم غرقاً في البحر، إلى جانب عشرات المفقودين الذين لم يُعرف مصيرهم. وبين عامي 2015 و2024 سُجّل مقتل 345 مهاجراً عراقياً من كردستان وفقدان 248 آخرين خلال رحلات التهريب نحو أوروبا، وهي أرقام موثقة فقط، ما يعني أن العدد الفعلي قد يكون أعلى.

وخلال عامي 2023 و2024 وحدهما، قُدّم 19500 ثم 23400 طلب لجوء في دول أوروبية، معظمها من مواطني الإقليم، في مؤشر واضح على تصاعد النزيف البشري رغم تشديد أوروبا إجراءات الاستقبال ولمّ الشمل.

المشهد الأكثر صدمة تمثل أخيراً في وفاة 34 كردياً عراقياً غرقاً قبالة السواحل اليونانية بعد انقلاب يخت كانوا على متنه هاربين من سوء الأوضاع المعيشية، في حادثة أعادت إلى الواجهة صور “قوارب الموت” ورسّخت قناعة لدى كثيرين بأن المخاطر لم تعد رادعاً أمام الإصرار على الرحيل.

داخلياً، تتقاطع أسباب الهجرة عند ثلاثة محاور رئيسية: البطالة، اضطراب الرواتب، وانسداد الأفق السياسي. تقديرات برلمانية تشير إلى وجود أكثر من 750 ألف عاطل عن العمل في الإقليم، بينهم نحو 400 ألف شاب وخريج جامعي، في وقت لم يشهد فيه سوق العمل توسعاً حقيقياً خلال العقد الأخير.

وكثير من الخريجين ينتظرون سنوات للحصول على فرصة، ومن يحصل عليها غالباً ما يعمل بأجر متدنٍ لا يتناسب مع كلفة المعيشة.

يعتمد الاقتصاد المحلي بدرجة كبيرة على رواتب الموظفين والمتقاعدين الذين يناهز عددهم مليوناً و250 ألفاً، لكن أزمة تأخر الرواتب أو عدم دفعها لشهر أو أكثر باتت سمة شبه دائمة منذ سنوات، ما انعكس مباشرة على حركة السوق ومستوى الإنفاق الأسري.

ومع ارتفاع أسعار الخدمات والرسوم والمشتقات النفطية، بات الدخل الشهري لا يغطي الاحتياجات الأساسية لعدد واسع من العائلات.

إضافة إلى ذلك، فعّلت حكومة الإقليم مشروع الكهرباء على مدار 24 ساعة بأسعار أعلى بكثير من التعرفة السابقة، ما رفع نسبة الإنفاق المنزلي على الطاقة إلى ما بين 10 و20% من دخل الأسرة في بعض الحالات، في وقت تتزايد فيه كلف العلاج والتعليم والنقل.

سياسياً، يعيش الإقليم حالة انسداد مزمن. البرلمان معطل منذ أعوام، والحكومة الجديدة لم تُشكَّل رغم مرور أشهر على الانتخابات، وسط صراع على المناصب وتوزيع الحصص.

كما فقد الإقليم جزءاً من نفوذه بعد قرارات قضائية ألغت تصديره المستقل للنفط، إلى جانب خسارته السيطرة على مناطق متنازع عليها منذ عام 2017. هذا التراجع في المكانة السياسية ترافق مع انقسام إداري وأمني، واستمرار ازدواجية القرار بين الحزبين الرئيسيين.

تنعكس هذه التعقيدات في شعور متزايد بانعدام العدالة الاجتماعية، حيث يتحدث كثير من الشباب عن اتساع الفجوة بين طبقة محدودة مرفهة وعموم المواطنين، واحتكار قطاعات اقتصادية لمصلحة شركات مرتبطة بأحزاب نافذة، ما أضعف المنافسة وأدى إلى إغلاق مئات المصانع وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي.

في المقابل، تتطور شبكات التهريب وتتنوع مساراتها. تركيا ما تزال الطريق الأبرز عبر البحر إلى اليونان وإيطاليا، فيما برزت طرق برية عبر بيلاروسيا وبلغاريا، وأخرى أحدث عبر ليبيا وتونس، بكلف تتراوح بين 12 و20 ألف دولار للشخص الواحد. وتشير تقديرات إلى أن مئات الشباب يغادرون أسبوعياً عند إعادة فتح بعض المسارات، رغم ما تحمله من استغلال واعتقال وغرق.

ورغم أن أوروبا شددت قوانين اللجوء وقيّدت لمّ الشمل في دول عدة، فإن ذلك لم يوقف التدفق. إذ يرى كثير من الشباب أن مخاطر البحر والغابات أقل وطأة من بطالة ممتدة ومستقبل غامض في الداخل.

في ظل غياب خطط اقتصادية واضحة لامتصاص البطالة، وتعثر إصلاحات سياسية وإدارية تعيد الثقة بالمؤسسات، يستمر الإقليم في خسارة طاقاته الشابة. ومع كل حادثة غرق أو فقدان جديدة، تتعمق الأسئلة حول قدرة السلطة على وقف هذا النزيف، قبل أن يتحول إلى تحول ديمغرافي واجتماعي يصعب تعويضه مستقبلاً.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد