
بغداد – إيجاز
يبدو أن زعيم حركة بابليون، ريان الكلداني، يسعى خلال السنوات الأخيرة إلى ترسيخ حضورٍ سياسيٍّ يتجاوز الإطار الضيّق للمكوّن الديني الذي ينتمي إليه، فبعد أن ارتبط اسمه في بداياته بتشكيل عسكري محلي أُنشئ خلال الحرب ضد تنظيم “داعش”، أخذ مسار الرجل منحى مغايراً يقوم على خطاب وطني شامل، يتقاطع مع المزاج العام الداعي إلى تجاوز الانقسامات الطائفية والقومية، خصوصاً في محافظات الشمال التي شهدت تداخلاً سكانياً ومناطقياً واسعاً بعد 2014.
ويقول مقربون من الكلداني إن تركيزه المتزايد على “الهوية العراقية الجامعة” ليس تغييراً شكلياً في الخطاب فحسب، بل تحوّل في رؤية حركة بابليون نفسها، التي أصبحت تُقدّم نفسها كقوة سياسية وطنية لا تُمثّل المسيحيين فحسب، بل تتفاعل مع جميع المكونات، وتشارك في حوارات وتحالفات تمتد من نينوى إلى بغداد.
ولم يعد الرجل يتحدث عن “حقوق المسيحيين” بمعزل عن حقوق بقية المكوّنات، بل عن “العدالة والمواطنة” كمبدأ عام، الأمر الذي جعل صورته تختلف عن معظم الزعامات الدينية أو المناطقية التي حصرت نشاطها ضمن جمهورها التقليدي.
توازن بين الهوية الدينية والانفتاح الوطني
وبرغم أنه من أكثر الشخصيات المسيحية حضوراً في المشهد السياسي، إلا أن الكلداني لا يقدّم نفسه “زعيم المكوّن المسيحي”، بل يرفض هذه الصيغة في لقاءاته وتصريحاته، بل في أغلب المناسبات، يؤكد على أن العراقيين متساوون في الحقوق والواجبات، وأن التحديات التي تواجه البلاد لا تفرّق بين ديانة وأخرى.
ويرى مراقبون أن هذا الخطاب أكسبه مقبولية ملحوظة داخل المجتمع المسيحي الذي يبحث عن تمثيل سياسي متزن لا يصطدم بالمكونات الكبرى، ولا يذوب في تحالفاتها.
وفي الوقت الذي التزمت فيه أطراف مسيحية أخرى مواقع هامشية في الحياة السياسية، نجح الكلداني في الحفاظ على حضور مؤسسي واضح من خلال حركة بابليون ومقاعدها البرلمانية، مع التمسك بخطاب وطني يُشرك المسيحيين في النقاش العام للدولة.
ويلاحظ أن حركته نأت بنفسها عن الاصطفافات الطائفية في ملفات حساسة، سواء ما يتعلق بعلاقات بغداد وأربيل، أو المواقف من التحالفات الشيعية والسنية، إذ تتخذ غالباً موقع الوسيط أو المتوازن، وتحاول الإبقاء على قنوات التواصل مع الجميع.
ويدرك الكلداني، وفق مقربين منه، أن مستقبل المكونات الصغيرة مرتبط بقدرتها على الاندماج في مشروع وطني أوسع، لا بتمترسها خلف شعارات الخصوصية الدينية، ولهذا السبب، تجنّب خلال السنوات الأخيرة الدخول في سجالات طائفية أو قومية، وركز بدلاً من ذلك على قضايا الخدمات، وإعادة الإعمار، وتمكين النازحين من العودة إلى مناطقهم الأصلية.
حضور ميداني وتحالفات عابرة للمكوّنات
في محافظة نينوى، حيث يتقاطع الوجود العربي والكردي والمسيحي والتركماني، لعب الكلداني دوراً لافتاً في حملات الإعمار وإعادة تأهيل البنى التحتية، خصوصاً في بلدات سهل نينوى وتلكيف وبعشيقة.
لم يكن نشاطه مقتصراً على مناطق أبناء طائفته، بل امتد إلى القرى العربية التي تضررت من الحرب على داعش، وهو ما جعله أحد أبرز الوجوه التي استطاعت أن تنسّق ميدانياً بين سكان المكوّنات المختلفة في مشاريع خدمية مشتركة.
وهذا الانفتاح الميداني انعكس في لقاءاته المستمرة مع شيوخ عشائر عربية ووجهاء محليين، وشارك في اجتماعات تخص قضايا الأمن والخدمات في المحافظة، محاولاً تثبيت دورٍ سياسيٍّ غير مقيد بعنوان ديني أو مناطقي.
وفي المقابل، تحرص حركته على أن تبقى جزءاً من النظام السياسي الاتحادي، وتشارك في اللجان البرلمانية التي تعنى بملفات عامة، كالخدمات والإعمار، دون اقتصار تمثيلها على “شؤون الأقليات”.
حضور انتخابي وموقع وسط
ومع اقتراب الانتخابات المقبلة، تبدو حركة بابليون وحزبها السياسي (الهوية الوطنية) أمام اختبار جديد لترجمة خطابها الوطني إلى نتائج ملموسة في صناديق الاقتراع.
فبينما تتنافس الأحزاب الكبرى على الصوت الطائفي أو المناطقي، يحاول الكلداني الدفع باتجاه برنامج يتحدث عن قضايا التعليم والإعمار والاقتصاد المحلي، ويخاطب الناخبين بلغة قريبة من حاجاتهم اليومية، لا بخطاب الهوية الضيقة.
وبينما يُتوقع أن يحتفظ بحضورٍ واضح داخل الدوائر المسيحية في نينوى وبغداد، فإن مؤشرات أولية تُظهر أن حركته تراهن أيضاً على أصوات عربية متعاطفة مع خطابه الوطني، خاصة في المناطق المختلطة التي شهدت تعاوناً فعلياً معه في السنوات الماضية.
ويرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية تمنحه هامش حركة أوسع، لكنها في الوقت ذاته تُلزمه بإثبات أن الخطاب الوطني لا يظل شعاراً انتخابياً، بل يتحول إلى مواقف عملية داخل مجلس النواب ومؤسسات الدولة.