
بغداد-ايجاز
يتجه العراقيون قريباً إلى صناديق الاقتراع لاختيار برلمان جديد، في استحقاق يثير التساؤلات مجدداً حول كيفية إدارة الدولة، خصوصاً في ملف السياسة المالية والتنمية الاقتصادية. فالانتخابات، مهما أفرزت من نتائج، تظل فرصة لتقييم حصيلة عقدين من التجارب المتعاقبة ومحاولات الخروج من الأزمة البنيوية.
ومنذ عام 2003، ظل العراق يسعى لتحقيق هدفين مترابطين: الأول، تقليص الاعتماد على النفط كمورد شبه وحيد للاقتصاد عبر تنشيط القطاعات غير النفطية، والثاني، بناء بنية تحتية مادية قادرة على دعم هذا التحول. ويشير الباحث الاقتصادي محمد حسين في دراسة لمعهد واشنطن إلى أن ذلك يتطلب إعادة توجيه الإنفاق العام بعيداً عن تضخّم الرواتب والنفقات الجارية، لصالح الاستثمار في أصول إنتاجية تُمكّن القطاع الخاص من قيادة النمو.
لكن بيانات المالية العامة تظهر أن الحكومات العراقية، بما فيها حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، لم تحقق تقدماً ملموساً في هذا الاتجاه. فالإنفاق ما زال موجهاً نحو الرواتب والمنافع، بينما الإصلاحات الجوهرية تُرحّل باستمرار، ما يفاقم أزمة عجز الموازنة المرتبطة بتقلب أسعار النفط.
قدّر صندوق النقد الدولي أن العراق يحتاج إلى سعر 84 دولاراً للبرميل لمعادلة موازنته، فيما بقيت الأسعار خلال العام الحالي عند حدود 67 دولاراً. وبما أن أكثر من 93% من إيرادات 2025 جاءت من النفط، فإن الفجوة المالية ما زالت قائمة. وتكشف هذه المعطيات أن الحكومة لم تتحرر بعد من إرث الريع النفطي، وأن أولوياتها ما زالت منحازة للإنفاق الاستهلاكي قصير المدى على حساب التنمية.
الإشكالية الأعمق تكمن في طبيعة الاقتصاد السياسي الذي ترسّخ بعد 2003. فقد رسخت ديناميكيات الريع توقعات شعبية واسعة بسخاء الدولة، إذ يشغل أكثر من 40% من القوى العاملة القطاع العام أو مؤسسات مملوكة للدولة، ويستحوذ هذا القطاع على 59% من الإنفاق الحكومي خلال النصف الأول من 2025. أي محاولة لإعادة هيكلة الرواتب أو تقليص الدعم تواجه رفضاً شعبياً واسعاً، فيما تواصل المحاصصة الحزبية تقسيم الوزارات كإقطاعيات، ما يعزز الفساد ويضعف فعالية المؤسسات.
تلجأ الحكومات أمام هذه الضغوط إلى حلول مؤقتة لا تمس جذور الأزمة: تقليص الإنفاق الاستثماري، استنزاف احتياطي البنك المركزي، أو التلاعب بسعر الصرف. فقد تراجعت الاحتياطيات الأجنبية من 111 مليار دولار عام 2023 إلى 104 مليارات حالياً، وانخفضت نسبة الإنفاق الاستثماري إلى 6.9% فقط من إجمالي النفقات في النصف الأول من 2025، ما يضعف استقرار الدينار ويؤجل الإصلاحات الضرورية.
على الرغم من بعض النتائج الإيجابية مثل انخفاض معدل الفقر من 20.1% إلى 17.5% بين 2018 و2024 بفضل برامج الحماية الاجتماعية، إلا أن الإصلاح المالي ظل معطلاً. فما زال أكثر من 60% من الإنفاق الكلي في موازنة 2024 مخصصاً للرواتب والمعاشات، مقابل تراجع المشاريع التنموية، بينما يظل الفساد السياسي والاقتصادي عقبة كبيرة.
ويرى المختصون أن العراق عالق في حلقة مفرغة من الاعتماد على النفط، والإنفاق قصير المدى، وتأجيل الإصلاحات. ومع ذلك، لا تزال الفرصة قائمة لتصحيح المسار، شريطة أن يتوافر ضغط شعبي وغطاء سياسي كافٍ لتمرير قرارات غير شعبية لكنها ضرورية.