
بغداد – إيجاز
ويصف التقرير هذه الحالة بأنها “هندسة ناعمة للخراب”، حيث يُعاد توجيه وعي المجتمعات من الفعل الجماعي إلى النجاة الفردية، ليصبح أقصى ما يطلبه المواطن هو العودة إلى الوضع السابق مهما كان بائساً، بدلاً من المطالبة بتغيير جذري.
بحسب التقرير، لم تعد الفوضى مجرد حالة طارئة، بل تحولت إلى “بنية متكررة” لإعادة إنتاج الهيمنة. فالأزمات لم تُستثمر من أجل الإصلاح الإيجابي، بل صارت مدخلاً لتمرير “حلول جذرية” غالباً ما تنتهي إلى تفكيك مؤسسات الدولة وزيادة الفقر والهشاشة الاجتماعية.
وضرب المركز أمثلة من الأزمات العالمية الحديثة، مثل جائحة كوفيد-19 التي فتحت الباب أمام أشكال جديدة من العمل الهش، أو الحرب الأوكرانية التي دفعت حكومات لفتح أسواقها بشكل متسرع أمام الشركات الكبرى.
ويطرح تقرير مركز البيان تصنيفاً جديداً للدول وفق درجة مقاومتها لعقيدة الصدمة:
ويشير التقرير إلى أن هذا التصنيف يكشف أن الصدمة لم تختفِ، بل تغيّرت أدواتها من الحروب المباشرة إلى الضغوط الاقتصادية والتحكم بالبيانات والمؤشرات العالمية.
خصص التقرير حيزاً واسعاً للعراق، مؤكداً أن البلاد بعد 2003 تحولت إلى “مختبر مفتوح” لتطبيق عقيدة الصدمة. فمنذ حل الجيش وتفكيك مؤسسات الدولة، عاش العراق سلسلة صدمات متداخلة: انهيار أمني، تبعات اقتصادية، انقسامات طائفية، ثم ظهور الإرهاب. هذه الصدمات لم تكن متقطعة بل متواصلة، بحيث وُلدت كل أزمة من رحم أخرى.
ويضيف التقرير أن الاقتصاد الريعي أسهم في تكريس هذه الحالة، إذ استُخدم النفط كأداة لتسكين المجتمع لا لبناء قاعدة إنتاجية، ما جعل العراق رهينة تقلبات السوق العالمية. كما أن غياب عقد اجتماعي جامع وتسييس الهوية أديا إلى إضعاف أي إمكانية لبناء مناعة وطنية.
حدد التقرير ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العراق:
ويشدد التقرير على أن تجاوز هذه الدائرة يتطلب إطلاق عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة، وإعادة بناء المؤسسات من التعليم إلى الصحة، وتحويل الاقتصاد من ريعي إلى إنتاجي. كما يلفت إلى أهمية البعد الثقافي والنفسي، عبر إصلاح التعليم، ومحاربة خطاب الكراهية، وبث الثقة والقصص الإيجابية في المجتمع.ويخلص التقرير إلى أن العراق، رغم كل ما مر به، لا يزال يمتلك مقومات فريدة للنهضة: ارتباط عميق بالأرض، ذكاء اجتماعي متراكم، قدرة على التعلم، صلابة في مواجهة الألم، وتاريخ حضاري عريق. هذه العناصر، إن استُثمرت، يمكن أن تشكل قاعدة لمشروع وطني جامع يُعيد للدولة قوتها وللمجتمع فاعليته.