آخر الأخبار

“عقيدة الصدمة”.. كيف تحولت بغداد إلى مختبر مفتوح؟

بغداد – إيجاز

سلّط تقرير جديد لمركز البيان للدراسات والتخطيط الضوء على ما أسماه “عقيدة الصدمة”، وهي النظرية التي وضعتها الكاتبة الكندية نعومي كلاين منذ عام 2007، والتي تقول إن القوى الكبرى غالباً ما تستغل الأزمات والكوارث لإعادة تشكيل الدول والمجتمعات بما يخدم مصالحها. وأوضح التقرير، الذي تابعه موقع “إيجاز”، أن هذا النهج لم يعد مجرد قراءة نقدية للماضي، بل تحول إلى نموذج متجدد يُستخدم في أزمات الحاضر من كورونا إلى الحرب الأوكرانية.

يبيّن التقرير أن كلاين لم تكتب عن التاريخ فحسب، بل ربطت بين الأزمات المتكررة وبين مسار طويل لإعادة تشكيل الاقتصادات والمجتمعات. ففي لحظات الضعف والانكسار، تُفرض سياسات قسرية لا مجال لمناقشتها، تحت عناوين براقة مثل “الإصلاح” أو “التحول الرقمي” أو “مكافحة التغير المناخي”، لكنها في حقيقتها أدوات لتوسيع نفوذ الشركات العملاقة والمؤسسات المالية الدولية على حساب الدولة الوطنية.

ويصف التقرير هذه الحالة بأنها “هندسة ناعمة للخراب”، حيث يُعاد توجيه وعي المجتمعات من الفعل الجماعي إلى النجاة الفردية، ليصبح أقصى ما يطلبه المواطن هو العودة إلى الوضع السابق مهما كان بائساً، بدلاً من المطالبة بتغيير جذري.

الفوضى كمنهج

بحسب التقرير، لم تعد الفوضى مجرد حالة طارئة، بل تحولت إلى “بنية متكررة” لإعادة إنتاج الهيمنة. فالأزمات لم تُستثمر من أجل الإصلاح الإيجابي، بل صارت مدخلاً لتمرير “حلول جذرية” غالباً ما تنتهي إلى تفكيك مؤسسات الدولة وزيادة الفقر والهشاشة الاجتماعية.

وضرب المركز أمثلة من الأزمات العالمية الحديثة، مثل جائحة كوفيد-19 التي فتحت الباب أمام أشكال جديدة من العمل الهش، أو الحرب الأوكرانية التي دفعت حكومات لفتح أسواقها بشكل متسرع أمام الشركات الكبرى.

تقسيم استراتيجي للعالم

ويطرح تقرير مركز البيان تصنيفاً جديداً للدول وفق درجة مقاومتها لعقيدة الصدمة:

  1. دول ذات مناعة سيادية مثل دول الشمال الأوروبي، التي تدير أزماتها داخلياً ولا تسمح بتحويلها إلى أدوات للهيمنة.
  2. دول قابلة للامتصاص المشروط مثل تركيا وجنوب أفريقيا، التي تعقد صفقات مؤقتة عند الأزمات.
  3. دول مخترقة هيكلياً مثل لبنان والعراق بعد 2003، حيث تتفكك المؤسسات وتُدار الدولة عبر الوصاية الاقتصادية.
  4. دول مصدّرة للصدمة مثل الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي، وهي التي تصنع الأزمات وتسوّق “العلاج” كأداة هيمنة.

ويشير التقرير إلى أن هذا التصنيف يكشف أن الصدمة لم تختفِ، بل تغيّرت أدواتها من الحروب المباشرة إلى الضغوط الاقتصادية والتحكم بالبيانات والمؤشرات العالمية.

العراق.. مختبر مفتوح للصدمة

خصص التقرير حيزاً واسعاً للعراق، مؤكداً أن البلاد بعد 2003 تحولت إلى “مختبر مفتوح” لتطبيق عقيدة الصدمة. فمنذ حل الجيش وتفكيك مؤسسات الدولة، عاش العراق سلسلة صدمات متداخلة: انهيار أمني، تبعات اقتصادية، انقسامات طائفية، ثم ظهور الإرهاب. هذه الصدمات لم تكن متقطعة بل متواصلة، بحيث وُلدت كل أزمة من رحم أخرى.

ويضيف التقرير أن الاقتصاد الريعي أسهم في تكريس هذه الحالة، إذ استُخدم النفط كأداة لتسكين المجتمع لا لبناء قاعدة إنتاجية، ما جعل العراق رهينة تقلبات السوق العالمية. كما أن غياب عقد اجتماعي جامع وتسييس الهوية أديا إلى إضعاف أي إمكانية لبناء مناعة وطنية.

السيناريوهات أمام العراق

حدد التقرير ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العراق:

  • النهضة الممكنة عبر بروز نخبة وطنية جديدة وتبني مشروع مدني جامع ودعم إقليمي متوازن.
  • الركود الممتد وهو السيناريو المرجّح، حيث تستمر إدارة الانهيار دون حرب أو إصلاح، مع فساد ومحاصصة وفقدان للثقة.
  • الانهيار أو التفكك في حال صعود الضغوط الخارجية أو اندلاع نزاعات داخلية، ما قد يقود إلى تقسيم فعلي وفقدان القرار المركزي.

شروط المعالجة

ويشدد التقرير على أن تجاوز هذه الدائرة يتطلب إطلاق عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة، وإعادة بناء المؤسسات من التعليم إلى الصحة، وتحويل الاقتصاد من ريعي إلى إنتاجي. كما يلفت إلى أهمية البعد الثقافي والنفسي، عبر إصلاح التعليم، ومحاربة خطاب الكراهية، وبث الثقة والقصص الإيجابية في المجتمع.ويخلص التقرير إلى أن العراق، رغم كل ما مر به، لا يزال يمتلك مقومات فريدة للنهضة: ارتباط عميق بالأرض، ذكاء اجتماعي متراكم، قدرة على التعلم، صلابة في مواجهة الألم، وتاريخ حضاري عريق. هذه العناصر، إن استُثمرت، يمكن أن تشكل قاعدة لمشروع وطني جامع يُعيد للدولة قوتها وللمجتمع فاعليته.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد