آخر الأخبار

مقتل خطيب في الدورة يعيد ملف “المدخلية” إلى الواجهة.. والخنجر في قفص الاتهام

بغداد – إيجاز

أعاد مقتل الشيخ عبد الستار القرغولي، إمام وخطيب جامع كريم الناصر في منطقة الدورة ببغداد، الجدل بشأن ما يُعرف بـ”التيار المدخلي”، الذي صنفته الدولة العراقية في وقت سابق كحركة “شديدة الخطورة”، قبل أن ينجح تدخل سياسي مثير للجدل قاده رئيس تحالف السيادة السابق خميس الخنجر برفع الحظر عن أنشطته.

القرغولي توفي يوم الجمعة بعد تعرضه لاعتداء داخل غرفة الإمام والخطيب في الجامع، حيث كان يستعد لإلقاء خطبة الجمعة، قبل أن يُنقل إلى المستشفى ويفارق الحياة.

وذكرت مصادر محلية أن مجموعة من الأشخاص قدموا بسيارة من منطقة الرضوانية، المعروفة بوجود عناصر مقربة من التيار المدخلي، وتجمعوا داخل الجامع لمنع القرغولي من الصعود إلى المنبر، وهو ما أدى إلى وقوع الحادثة.

من الحظر إلى رفعه

والمدخلية في العراق برزت بعد عام 2003، متأثرة بالخطاب السلفي القادم من السعودية والقائم على الطاعة المطلقة للحاكم ورفض الخروج عليه.

وبحسب متابعات أمنية، فقد تمكّن هذا التيار من التمدد داخل مساجد ومراكز دينية في بغداد ونينوى والأنبار وصلاح الدين، مع ميل واضح إلى إقصاء التيارات الإسلامية الأخرى واتهامها بالبدعة والانحراف.

في مايو/أيار 2025، صنّفت مستشارية الأمن القومي “المدخلية” كحركة عالية الخطورة تهدد السلم المجتمعي، وألزمت المحافظات والأجهزة الأمنية بتقييد أنشطتها، بعد تقارير رصدت محاولات لإعادة بناء حواضن فكرية متشددة، وفرض خطاب ديني مغلق يرفض التعددية الدستورية والدولة المدنية.

لكن، لم يدم الحظر طويلًا؛ إذ سرعان ما تحركت أطراف سياسية لرفعه، حيث ضغطوا على الحكومة من خلال علاقاته داخل البرلمان وبعض الأجهزة الأمنية، بذريعة أن “المدخلية” لا تشكل تهديدًا عسكريًا مباشرًا، وأن حظرها قد يُفهم كاستهداف لأهل السنة.

وربط مراقبون بين التدخل لرفع الحظر عن “المدخلية” وبين ما جرى لاحقًا من توسع نفوذهم داخل بعض المساجد، وصولًا إلى حادثة الدورة الأخيرة،  فبالنسبة لكثيرين، بدا أن هؤلاء السياسيين منحوا التيار “مظلة سياسية” ساعدته على تجاوز قرارات الدولة، الأمر الذي انعكس على الميدان الديني والاجتماعي.

حادثة الدورة.. الشرارة التي فجّرت الملف

وفقًا لروايات شهود ومسؤولين في الوقف السني، فإن جامع كريم الناصر كان يُدار بنظام التناوب بين القرغولي وخطيب آخر، بحيث تكون لكل منهما جمعة محددة.

وفي يوم الحادثة، الذي كان مخصصًا للقرغولي، حضر الخطيب الآخر مع مجموعة من أنصاره القادمين من الرضوانية، وأغلقوا غرفة الإمام والخطيب على القرغولي، ثم منعوه من الصعود إلى المنبر.

وتوضح المصادر أن القرغولي، الذي كان يعاني من أمراض قلبية، سقط مغشيًا عليه نتيجة التدافع والضغط، ونُقل إلى المستشفى لكنه فارق الحياة.

والحادثة خلّفت صدمة واسعة في الأوساط الدينية، ودعت المجمع الفقهي العراقي إلى مخاطبة الرئاسات الثلاث للتدخل العاجل، فيما رُفعت دعاوى قضائية ضد المشاركين في الاعتداء، وأُصدرت مذكرات قبض بحق عدد منهم.

المدخلية بين الفكر والسلوك

المدخلية، وفق توصيف باحثين في الشأن الديني، لا تعتمد على تشكيل تنظيمات مسلحة أو جبهات سياسية، لكنها تسعى إلى بناء “حاضنة فكرية” منغلقة تفرض رؤيتها داخل المجتمع السني.

والخطر، بحسب هؤلاء، يكمن في قدرتها على تحويل المساجد إلى منصات لنشر خطاب يُقصي الآخرين، ويبرر الطاعة العمياء، ويمتد أثره إلى تعطيل أي محاولة لإصلاح ديني أو اجتماعي.

وفي العراق، ساعدت هشاشة مؤسسات الدولة بعد 2003 على توسع هذا التيار، فدخل إلى ديوان الوقف السني، وتمكن من السيطرة على مواقع حساسة في بعض المساجد، حتى بات قادرًا على إقصاء أئمة منافسين وتعيين موالين له..

تداعيات سياسية واجتماعية

وجاءت إعادة فتح ملف المدخلية بعد مقتل القرغولي تضع الحكومة أمام اختبار صعب، فبينما ترى قوى شيعية أن الوقت قد حان لضبط هذا التيار بشكل حازم، تتحفظ بعض الأطراف السنية على ما تعتبره “استهدافًا ممنهجًا”، وتدعو إلى معالجة الملف من زاوية أوسع تراعي البعد الاجتماعي والسياسي.

لكن، من الواضح أن حادثة الدورة أعادت النقاش إلى نقطة الصفر، وأبرزت الدور المثير للجدل الذي لعبه الخنجر – وفق مختصين – في تعزيز حضور التيار، فالعلاقة بين الرجل والملف تبدو وثيقة، خصوصًا في ظل الاتهامات القديمة الموجهة له، ما يجعل من قضية المدخلية اليوم قضية سياسية بامتياز، تتجاوز بعدها الديني إلى معركة النفوذ والتوازن داخل البيت السني نفسه.

وما حدث في جامع كريم الناصر لم يكن مجرد خلاف عابر، بل كشف عن شبكة أوسع من النفوذ تمتد من الرضوانية إلى البرلمان، وبقدر ما مثّل رحيل الشيخ عبد الستار القرغولي خسارة لأوساطه الدينية، فإنه أعاد تسليط الضوء على تيار ما زال يثير الانقسام، وعلى سياسي يلاحقه الجدل أينما ذهب.  

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد