آخر الأخبار

من السوق إلى المطار.. كيف تُغلق منافذ تهريب الدولار؟

بغداد – إيجاز

تخوض السلطات المالية والنقدية في العراق مواجهة معقّدة على أكثر من مسار، في محاولة لاحتواء تقلبات سعر صرف الدينار ومنع تمدد السوق الموازية إلى مستويات تُثقل كاهل المواطنين وتربك النشاط الاقتصادي.

وبينما تتحرك الأدوات النقدية لامتصاص الطلب غير المشروع على الدولار، تتجه الحكومة في الوقت نفسه إلى فتح ملفات فساد حساسة أسهمت في تسرب العملة الصعبة عبر منافذ حيوية، أبرزها مطار بغداد الدولي.

وتفيد مصادر حكومية بأن حزمة من الإجراءات الاستباقية دخلت حيّز التنفيذ لمواجهة الارتفاعات الأخيرة في سعر الصرف، تركزت على تشديد الرقابة الميدانية على أنشطة بيع وشراء الدولار خارج الأطر الرسمية.

وتنفذ الجهات المعنية حملات متابعة مكثفة للأسواق غير النظامية بهدف تقليص ما تصفه الحكومة بـ“المضاربات الوهمية” التي ترفع الطلب المصطنع على العملة الأجنبية.

وترى الجهات الرسمية أن تقليص الفجوة بين السعر الرسمي البالغ 1320 ديناراً للدولار، والسعر المتداول في السوق الموازي، يمر عبر تجفيف مصادر ما يُعرف بـ“الدولار السياسي” و“الدولار المهرّب”، ودفع الكتلة النقدية نحو القنوات المصرفية المعتمدة التي تتيح العملة بأسعار مستقرة للتجار والمواطنين.

الاحتياطي النقدي.. صمّام الأمان

ولا تزال احتياطيات العراق من العملة الأجنبية تمثل خط الدفاع الأساس عن استقرار الدينار، إذ يشير مختصون إلى أن البنك المركزي العراقي يعتمد سياسة محسوبة في استخدام هذه الاحتياطيات لتغطية الطلب الحقيقي المرتبط بالتجارة الخارجية واحتياجات السفر والعلاج والدراسة.

ويمنح هذا الغطاء المالي السلطة النقدية هامشاً أوسع للمناورة، فكلما توسع تمويل التجارة عبر المنصة الإلكترونية والمصارف المراسلة، تراجع اعتماد التجار على السوق الموازية، ما يخفف الضغط على مكاتب الصرافة ويسهم تدريجياً في تهدئة سعر الصرف غير الرسمي.

دولار المطار”.. فتح ملف الفساد

بالتوازي مع المعالجات الاقتصادية، برزت مسارات المحاسبة الإدارية والقانونية كجزء أساسي من ضبط السوق، فقد أعادت وزارة المالية العراقية فتح التحقيق في ملف التلاعب ببيع الدولار للمسافرين عبر منفذ مصرف الرافدين في مطار بغداد الدولي، وهو الملف الذي كشف عن ثغرات استُغلت لتهريب العملة تحت غطاء السفر.

ووفق معطيات رسمية، جرى استدعاء نحو 20 مسؤولاً وموظفاً في مصرف الرافدين للتحقيق في القضية، مع تحديد منتصف ونهاية كانون الثاني الجاري مواعيد رسمية لاستكمال إجراءات المساءلة. كما سبق أن صدر قرار بسحب يد مدير المصرف وعدد من المسؤولين على خلفية شبهات تتعلق بالتلاعب ببيع الدولار ومخالفات إدارية أخرى.

وترسل هذه الخطوات، بحسب مراقبين، رسالة واضحة مفادها أن الدولار المدعوم مخصص حصراً للمستحقين، وأن أي تلاعب في منافذ البيع الرسمية سيقابل بإجراءات صارمة، بما يسهم في سد واحدة من أهم القنوات التي كانت تغذي السوق الموازي بالعملة الصعبة.

قراءة الخبراء.. نتائج تحتاج وقتاً

ورغم الترحيب بالإجراءات الحكومية، يرى خبراء اقتصاديون أن انعكاساتها الفعلية على سعر الصرف قد تحتاج إلى وقت لتظهر بوضوح.

ويؤكد هؤلاء أن المعالجة لا تقتصر على الحملات الرقابية أو القرارات الإدارية، بل تتطلب مساراً إصلاحياً أوسع يشمل تعزيز ثقة المستثمرين، واستقرار التشريعات المالية والضريبية، وتقليل الاعتماد على الاقتصاد النفطي.

كما يشددون على أهمية دعم الإنتاج المحلي لتقليص فاتورة الاستيراد بالدولار، إلى جانب توسيع الشمول المالي وجذب السيولة المكتنزة في المنازل نحو الجهاز المصرفي.

وبين تشديد التعامل عبر القنوات الرسمية، وملاحقة الفساد داخل المصارف الحكومية، تبدو الحكومة ماضية نحو هدف معلن يتمثل في إنهاء ازدواجية سعر الصرف خلال المرحلة المقبلة.

 فالمعركة، وفق توصيف اقتصاديين، لم تعد أرقاماً متحركة في السوق، بل اختباراً لقدرة الدولة على فرض هيبتها المالية واستعادة الثقة بالدينار، مع ترقب نتائج التحقيقات الجارية التي قد تترك أثراً مباشراً على مسار الدولار في السوق الموازية.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد