
بغداد – إيجاز
في ظل فجوة سعرية كبيرة بين السعر المدعوم محلياً والسعر العالمي، يواجه العراق تحدياً متصاعداً يتمثل في تهريب النفط الأسود إلى خارج البلاد، في وقت تحاول فيه الحكومة الحد من هذه الظاهرة عبر إدخال أدوات رقابية جديدة، من بينها ربط آلاف الصهاريج بمنظومة تتبع إلكترونية، غير أن خبراء يرون أن هذه الخطوة قد لا تكون كافية إذا لم تُغلق منافذ التهريب الأساسية في الشمال، حيث تنشط شبكات نقل غير شرعية عابرة للحدود.
إنتاج المصافي وحصة النفط الأسود
يقول الأكاديمي والخبير الاقتصادي نبيل المرسومي إن عمل المصافي في العراق مستمر وهي تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية لتوفير المشتقات النفطية بأنواع متعددة للسوق المحلية، غير أن نحو نصف إنتاج المصافي يتكون من النفط الأسود.
ويضيف أن العراق يصدر رسمياً نحو 205 آلاف برميل يومياً من النفط الأسود، فيما تبقى كمية مقاربة لهذا الرقم للاستهلاك المحلي، مبيناً أن جزءاً من هذه الكميات يجري تهريبها إلى خارج البلاد نتيجة الفجوة الكبيرة بين السعر المدعوم في الداخل والسعر العالمي.
ويوضح أن النفط الأسود يُباع محلياً لمصانع الطابوق ومصانع الأسمنت بسعر مدعوم يبلغ نحو 150 ألف دينار للطن، في حين يصل سعره في الأسواق العالمية إلى ما بين أربعة إلى خمسة أضعاف هذا الرقم، الأمر الذي يشجع على تهريبه لتحقيق أرباح كبيرة.
ويلفت المرسومي إلى وجود كتاب سابق صادر عن شركة تسويق النفط العراقية (سومو) موجّه إلى وزارة النفط يشير إلى أن عمليات تهريب النفط الأسود في شمال العراق قد تصل إلى نحو 200 ألف برميل يومياً، مشيراً إلى أن جزءاً من هذه الكميات يجري خلطه مع الغاز، بينما يكون جزء آخر نفطاً خاماً.
منظومة تتبع الصهاريج
وفي محاولة للحد من هذه الظاهرة، أعلنت وزارة الاتصالات العراقية ربط نحو 40 ألف صهريج لنقل المشتقات النفطية بمنظومة التتبع الإلكتروني (GPS).
وذكرت الوزارة في بيان أن المشروع نُفذ عبر شركة السلام العامة، التي تولت تجهيز شركة توزيع المنتجات النفطية بمنظومة التتبع وربطها إلكترونياً في جميع الصهاريج سواء الحكومية أو الأهلية.
وأوضحت أن هذا الربط يهدف إلى الحد من عمليات تهريب النفط ومشتقاته وإحكام الإشراف على حركة نقله داخل البلاد، بما يعزز من كفاءة إدارة قطاع النقل النفطي ويتيح متابعة مسارات الصهاريج بدقة، فضلاً عن رصد أي حالات تلاعب أو انحراف عن خطوط النقل المحددة.
وبحسب الوزارة، فإن المشروع يأتي ضمن خطة تنظيم حركة نقل المشتقات النفطية عبر تجهيز ونصب أنظمة التتبع لما يقارب 40 ألف مركبة في مختلف المحافظات.
منافذ الشمال ومسارات التهريب
ويرى المرسومي أن حجم التهريب يعكس وجود أسطول كبير من الصهاريج في البلاد، إذ يمتلك القطاع الخاص وحده نحو 22 ألف صهريج.
ويؤكد أن استخدام منظومة التتبع عبر GPS يمكن أن يحد من عمليات التهريب، لكنه لن يضع حداً كاملاً لها إذا لم تشمل هذه المنظومة إقليم كردستان أيضاً.
ويشير إلى أن الجزء الأكبر من عمليات التهريب يجري عبر المناطق الشمالية، ولا سيما من خلال منفذي برويزخان وباشماخ، حيث تنقل بعض الصهاريج النفط الأسود إلى إيران، قبل أن تتجه كميات أخرى نحو أفغانستان عبر الأراضي الإيرانية، ما يدل على وجود شبكة نقل واسعة تتجاوز الحدود العراقية.
تجارب سابقة في التتبع الإلكتروني
وكانت الشركة العامة لتوزيع المنتجات النفطية في كربلاء قد أعلنت في وقت سابق تطبيق نظام التتبع الإلكتروني لمراقبة عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية.
وقال مدير الشركة علي عبد اللطيف الموسوي إن الشركة باشرت حينها بتثبيت أجهزة تعقب في مركبات نقل وتوزيع المنتجات النفطية، بما يشمل البنزين وزيت الغاز والنفط الأبيض والغاز السائل.
وأوضح أن النظام شمل أيضاً نقل حصص المولدات والأفران والمخابز عبر منظومة إلكترونية متكاملة تعمل على مدار الساعة لمراقبة حركة المركبات الحكومية ومركبات القطاع الخاص.
وأشار إلى أن كل منفذ توزيعي حُدد له خط سير معين يجب عدم الخروج عنه، وفي حال حدوث مخالفة يقوم النظام بتثبيت الحالة وإبلاغ المسؤول المباشر لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
وبيّن أن تطبيق النظام أسهم في رصد أكثر من 70 مخالفة وتحديد المسارات الصحيحة لحركة المركبات، خصوصاً خلال الزيارات المليونية.
شبكات نفوذ واقتصاد ظل
ورغم الإجراءات الحكومية، لا يزال ملف تهريب النفط يثير تساؤلات واسعة بشأن الجهات التي تدير هذه العمليات وحجم النفوذ الذي يحميها.
وتشير تقارير إعلامية إلى وجود شخصيات نافذة لعبت دوراً محورياً في إدارة شبكات تهريب النفط خلال السنوات الماضية، من بينها شخصية عُرفت باسم “أبو سيف”، الذي قُتل في ضربة جوية قرب منطقة جرف الصخر بمحافظة بابل.
وتقول مصادر إن الرجل بدأ مسيرته ضمن مجموعات مسلحة قبل أن يتحول إلى أحد أبرز الوسطاء في تجارة النفط غير الرسمية، عبر بناء شبكة علاقات مع وسطاء في محافظات شمال وغرب العراق تعمل على نقل النفط أو تكريره وبيعه داخل السوق المحلية أو نقله إلى إقليم كردستان.
كما توسعت هذه الشبكات في إنشاء مصافٍ متنقلة تُعرف محلياً باسم “الأفران”، وهي وحدات صغيرة لتكرير النفط تُقام قرب الأنابيب أو مواقع استخراج الخام، ما ساهم في تعزيز ما يصفه بعض المراقبين بـ“اقتصاد الظل النفطي”.
وبين محاولات الرقابة الحكومية وإدخال التقنيات الحديثة، يبقى تهريب النفط في العراق ملفاً معقداً تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع شبكات نفوذ محلية وإقليمية، ما يجعل مواجهته تحدياً يتجاوز الجانب التقني ليصل إلى بنية الاقتصاد غير الرسمي في البلاد.