آخر الأخبار

من شاخوان إلى بارزاني.. رسائل خاطئة أطاحت بنفوذ الديمقراطي في بغداد

بغداد – إيجاز

تصاعدت تداعيات جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في العراق، لتكشف عن تراجع حاد في نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني داخل معادلة القرار السياسي في بغداد، في وقت تتزايد فيه الانتقادات لأداء قياداته، وسط اتهامات بأن سياسات داخلية “متشددة وقومية” أسهمت في عزل الحزب وإضعاف موقعه التفاوضي.

وبحسب مصادر سياسية تحدثت لـ”إيجاز”، فإن أحد أبرز أسباب هذا التراجع يعود إلى طبيعة الخطاب الذي تبنته بعض القيادات داخل الحزب، وفي مقدمتها شاخوان عبدالله، والذي يُتهم بنقل تصورات “غير دقيقة” إلى رئيس الحزب مسعود بارزاني بشأن طبيعة مواقف القوى السياسية في بغداد، خصوصاً الأحزاب العربية.

وتشير المصادر إلى أن شاخوان عبدالله لعب دوراً محورياً في توتير العلاقة مع عدد من القوى، من خلال تقديم قراءة قائمة على وجود “مواقف عدائية” تجاه أربيل، من بينها تصوير العلاقة مع محمد الحلبوسي وقيادة حزب تقدم على أنها تتجه ضد مصالح إقليم كردستان، وهو ما انعكس سلباً على مسار التفاهمات السياسية بين الجانبين.

وتؤكد المصادر أن النزعة القومية التي تحكم مواقف بعض قيادات الحزب، انعكست بشكل مباشر على طبيعة القرارات التي اتخذها بارزاني، إذ بُنيت مواقف سياسية حساسة على تقديرات غير دقيقة، ما أدى إلى تصعيد غير مبرر في علاقات الحزب مع أطراف كانت تُعد سابقاً حليفة أو قريبة منه.

ولم يقتصر التوتر على العلاقة مع القوى السنية، بل امتد ليشمل أطرافاً شيعية أيضاً، إذ تسببت هذه السياسات بإرباك العلاقة مع قوى مثل عصائب أهل الحق، التي اضطرت، بحسب المصادر، إلى إرسال وفد قبل الانتخابات النيابية، برئاسة نعيم العبودي إلى أربيل، في محاولة لتبديد سوء الفهم وتوضيح مواقفها الحقيقية من عدد من الملفات.

وتكشف هذه الوقائع، وفق مراقبين، عن خلل عميق في آلية اتخاذ القرار داخل الحزب الديمقراطي، إذ لم تعد التقديرات السياسية تستند إلى قراءة واقعية لموازين القوى، بل إلى تصورات مشوشة ساهمت في دفع الحزب نحو مواقف تصعيدية أفقدته شبكة علاقاته التقليدية داخل بغداد.

ويبرز مثال انتخابات رئاسة الجمهورية كأوضح تجلٍ لهذا الخلل، حيث تؤكد المصادر أن شاخوان عبدالله نقل إلى قيادة الحزب تطمينات متكررة بأن مرشح الحزب فؤاد حسين سيحصل على أكثر من 200 صوت، في حين جاءت النتيجة صادمة بحصوله على 16 صوتاً فقط.

هذا الفارق الكبير، بحسب متابعين، لم يكن مجرد خطأ في الحسابات، بل نتيجة تراكمات من سوء إدارة التفاوض، واعتماد خطاب تصعيدي تجاه قوى سياسية فاعلة، ما أدى إلى انهيار فرص بناء تحالفات عابرة للمكونات داخل البرلمان.

وفي موازاة ذلك، يلفت مراقبون إلى أن الحزب الديمقراطي يعاني أيضاً من غياب شخصيات كردية وازنة في بغداد تمتلك القدرة على إدارة التوازنات السياسية، كما كان الحال في مراحل سابقة مع شخصيات مثل الراحل روز نوري شاويس، الذي كان يمثل جسراً سياسياً بين أربيل وبغداد، وهو ما افتقده الحزب في المرحلة الحالية.

ويؤكد هؤلاء أن ترك ملف التفاوض في بغداد لشخصيات تفتقر إلى الخبرة السياسية الكافية أو تعتمد خطاباً حاداً، ساهم في تعميق العزلة السياسية للحزب، ودفعه إلى خيارات تصعيدية مثل مقاطعة جلسة انتخاب الرئيس، ومن ثم سحب ممثليه من البرلمان والحكومة.

وتتقاطع هذه المعطيات مع ما أظهره تقرير الأمس، الذي أشار إلى بروز جيل تفاوضي جديد داخل البرلمان، نجح في تمرير الاستحقاقات دون الحاجة إلى توافقات تقليدية، مستفيداً من تراجع قدرة الأحزاب الكبرى على فرض شروطها كما في السابق.

وفي ضوء ذلك، يرى مراقبون أن ما جرى لا يمثل مجرد خسارة انتخابية عابرة للحزب الديمقراطي، بل يعكس تحولاً أعمق في بنية النظام السياسي العراقي، حيث لم تعد أدوات الضغط التقليدية، مثل الانسحاب أو التعطيل، قادرة على فرض معادلات جديدة، في مقابل صعود قوى تعتمد على إدارة التوازنات داخل البرلمان نفسه.

وبهذا المعنى، فإن تراجع الحزب الديمقراطي لا يرتبط فقط بنتائج جلسة واحدة، بل بسلسلة خيارات سياسية وخطابات داخلية ساهمت في إضعاف حضوره، في وقت تتشكل فيه معادلة سياسية جديدة قد لا تمنح نفس المساحة للأطراف التي لم تنجح في التكيّف مع قواعدها المتغيرة.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد