آخر الأخبار

هجرة الفلاحين.. أزمة مياه تهدد الأمن الغذائي في العراق


بغداد – إيجاز

يشهد العراق أزمة مائية غير مسبوقة انعكست بشكل مباشر على القطاع الزراعي، وأدت إلى تزايد هجرة الفلاحين من القرى إلى المدن، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة على الأمن الغذائي والمائي والطاقة.

تعتمد البلاد بصورة أساسية على نهري دجلة والفرات وروافدهما القادمة من دول الجوار، إلا أن بناء السدود الكبرى في تركيا وسوريا منذ منتصف القرن الماضي، مثل سد كيبان (30 مليار متر مكعب) وسد الفرات (10 مليارات متر مكعب)، غيّر من معادلة التدفق المائي نحو العراق. كما أن إيران بدورها حولت مجاري عدد من الروافد منذ خمسينيات القرن الماضي، ما قلص الحصة المائية العراقية، رغم وجود اتفاقيات سابقة أبرزها اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تعطلت مع اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 70 بالمئة من موارد العراق المائية تأتي من تركيا، فيما يعتمد على إيران بنسبة تقارب 35 بالمئة. هذا الوضع، مقروناً بالتغيرات المناخية وقلة الأمطار والثلوج، أدى إلى انخفاض خطير في المخزون المائي.

وزير الموارد المائية، عون ذياب، أوضح في وقت سابق أن المخزون المائي لا يتجاوز 8 بالمئة من طاقة التخزين الكلية، مؤكداً أن “العراق يواجه أزمة حادة تتضح انعكاساتها بشكل مباشر على حياة المواطنين، خصوصاً في المحافظات الجنوبية”. وبيّن أن الحكومة شرعت في السنوات الأخيرة بإدخال تقنيات الري الحديثة كالري بالرش والتنقيط والتسوية الليزرية للأراضي، مما أسهم في تقليل الهدر بنسبة 30 بالمئة، لكنه أشار إلى أن القطاع الزراعي ما يزال المستهلك الأكبر للمياه بسبب غياب الأمطار الكافية.

من جانبه، أكد عضو لجنة الزراعة البرلمانية رفيق الصالحي أن البلاد اضطرت إلى تقليص خططها الزراعية بسبب شح المياه، محذراً من أن استمرار الأزمة يضع الأمنين الغذائي والمائي أمام مخاطر جدية. وشدد على ضرورة التحرك العاجل مع تركيا وإيران لضمان التزامهما بالاتفاقيات الدولية، وعدم استبعاد خيار تدويل الملف إذا استمرت الخروقات. وأشار الصالحي إلى أن الأزمة لا تتوقف عند حدود الزراعة، بل طالت إنتاج الطاقة الكهرومائية، وزادت من جفاف الأهوار وانحسار الثروة السمكية، ودَفعت آلاف الأسر إلى النزوح وفقدان مصادر رزقها.

الخبير في شؤون المياه، عادل المختار، يرى أن معالجة الأزمة تبدأ من الداخل عبر إصلاح شبكات الإسالة المتهالكة التي تهدر نصف الموارد المائية، والاعتماد على تقنيات ري حديثة، والتقليل من زراعة المحاصيل الشرهة للمياه مثل الرز والقصب. كما دعا إلى استثمار المياه الجوفية، وبناء سدود صغيرة لتجميع مياه الأمطار والسيول، إضافة إلى مشاريع التحلية في المحافظات الجنوبية.

وأكد المختار أن العراق بحاجة إلى مفاوضات جادة مع دول الجوار لتوقيع اتفاقيات ملزمة وفق القانون الدولي، بالتوازي مع تفعيل الدبلوماسية المائية عبر الأمم المتحدة والجامعة العربية. كما شدد على أهمية برامج التكيف مع التغير المناخي، بما في ذلك مراقبة معدلات الجفاف وتطوير بدائل للطاقة ودعم الأبحاث المحلية.

وباتت الأزمة المائية في العراق تهدد ركائز الأمن الغذائي والاقتصاد الريفي، مع استمرار نزوح الفلاحين نتيجة فقدان الأراضي لخصوبتها. وبينما تتجه الأنظار إلى سياسات دول الجوار ومشاريعها المائية، يواجه العراق ضرورة عاجلة لإصلاح سياساته الداخلية، وتفعيل أوراق الضغط الإقليمية والدولية لضمان حصته المائية، قبل أن تتفاقم تداعيات الأزمة لتصل إلى مستويات وجودية.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد