
الكاتب احمد علي السامرائي
أحدثت ثورة المعلومات التى يعيشها العالم الآن طفرة هائلة فى الصناعة الإعلامية وأنماط استهلاك المعلومات وإنتاجها ونشرها وقد أدى هذا التطور إلى تقسيم القطاع الإعلامي إلى مجالين هما الإعلام التقليدي الذي يضم الصحف والمجلات والراديو والتليفزيون والإعلام الرقمي الذي يقوم على تدفق المعلومات عبر شبكة الإنترنت والهواتف المحمولة بما فى ذلك مواقع التواصل الاجتماعى. ويتضمن الإعلام الرقمي مجموعة تكنولوجيات الاتصال الرقمي التي تولدت من التزاوج بين تقنيات الحاسب والأجهزة الذكية وتكنولوجيا الإعلام مثل الطباعة والتصوير الفوتوغرافي والصوت والصورة والفيديو. أما ادوات الإعلام الرقمي فهى تتمثل فى المواقع الإعلامية على شبكة الإنترنت (الصحافة الالكترونية و الإذاعة والتليفزيون الالكترونى و الإعلانات التجارية عبر مواقع الإنترنت و المدونات و مواقع التواصل الاجتماعي) الإعلام الرقمى أداة من الأدوات الالكترونية الجديدة التي تعتمد على عالم الأرقام ويعد تتويج للثورات الثلاث التى مر بها العالم (ثورة المعلومات وثورة الاتصالات وثورة الحاسبات الالكترونية). ومن أهم سلبيات الإعلام الرقمي: صعوبة التحقق من صحة وصدق المعلومات التى تحويها بعض المواقع. ضعف ضوابط السيطرة على نشر العنف والإرهاب. انتهاك حقوق النشر والملكية الفكرية. تفتيت دائرة المتلقى والتركيز على مخاطبة الأفراد والجماعات الصغيرة. ارتكاب الجرائم الإلكترونية باستخدام التكنولوجيا الحديثة. ومن المفترض أن الإعلام الرقمى جاوز حدود الزمان والمكان وفتح باب المشاركة فى المعلومات والمعرفة أمام الجميع وفتح وسائل الإعلام بعداً تشاركياً من خلال شبكات التواصل الاجتماعي أى أصبح الجمهور فاعلا ومشاركا فى وسائل الإعلام بدلا من كونه متلقياً فقط. وانطلاقا من هذه الحقيقة التى تشير إلى ايجابيات تكنولوجيا المعلومات إلا أن تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية قد كشفت عن كثير من الجوانب المعتمة والمخاطر المستحدثة. ويشير المشهد الراهن إلى العديد من الاشكاليات والتحديات نوجزها على النحو التالي:
أولا:- تأخر معظم المجتمعات غير الغربية فى دخول عصر المعلومات ويعزى ذلك إلى قصور البنى التحتية فى المواصلات والاتصالات والتعليم والتدريب والبحث العلمي علاوة على سيطرة اللغة الانجليزية على المحتوى المعلوماتي.

ثانيا: رغم تزايد أعداد المستخدمين للإنترنت فى الدول النامية خصوصاً العالم العربي فإن الشواهد العملية تؤكد أن هذه الدول لا تزال تشغل موقع المستهلكين لمنتجات المعلوماتية الغربية بسبب غياب البنى التحتية الأساسية وعدم تمكين الشرائح الاجتماعية المختلفة من الرجال والنساء والشباب من المشاركة فى شبكة الشبكات وظهور ما يسمى الفجوة الرقمية فى مجال الاتصال والمعلومات. إذ إن هناك فروقا بين هؤلاء الذين ينعمون بخدمات اتصالية ومعلوماتية فى دول الشمال المتقدم تكنولوجيا وأولئك الذين يعانون الحرمان من حقوقهم الاتصالية والمعرفية فى دول الوطن العربي . .
ثالثا: يحذر علماء المعلوماتية من احتمال ظهور نوع جديد من البيروقراطية يطلقون عليه مصطلح المعلوقراطية، حيث تحل الآلة محل طبقة البيروقراطيين التقليديين. كما يؤكدون أن الديمقراطية التى توفرها الإنترنت من خلال اسقاط الحواجز والحلقات بين الحكام والمواطنين هذه الديمقراطية لم تتحقق بسبب سيطرة رأس المال والحكومات الاستبدادية على وسائل الإعلام وتوظيفها لخدمة أصحاب السلطة وأصحاب النفوذ الاقتصادي .
رابعا: فى ضوء هيمنة البرمجيات على تفكير الأفراد وسلوكهم فى مجتمع الإنترنت علاوة على بروز فئة التكنوقراط وظهور التكنوقراطية الآلية وتأثيراتها الخطيرة على منظومة القيم والوعي والثقافة والسلوك الاجتماعي فى ضوء كل ذلك تبرز مسئولية البحث العلمي والباحثين فى مختلف فروع العلم الاجتماعي خصوصاً علم النفس والاجتماع والسياسة والإعلام والمعلومات.
خامسا: تواجه الثقافة فى المجتمع الرقمي العولمي مخاطر عديدة تهدد استقلالها وتميزها بسبب سيطرة الشركات العالمية والمؤسسات المالية الدولية الذين استفادوا من التكنولوجيا الاتصالية والمعلوماتية وسخروها لنشر ثقافة ذات طابع استهلاكى هدفها الأساسى خدمة السوق العالمية من خلال تحويل المنتج الثقافى إلى سلعة تخضع لقوانين السوق.
ولقد حل الاختراق محل الصراع الايديولوجى ويستند إلى خمسة أوهام وهم الفردية والسكونية وثبات الطبيعة البشرية وغياب الصراع الاجتماعى. وهي لا شك أن تسخير جميع الأنشطة الاتصالية والموارد الاجتماعية والإنسانية لخدمة مصالح المتحكمين فى السوق قد رفع قيمة الربح فوق كل القيم وأدى إلى تسييد الثقافة الاستهلاكية على حساب الثقافات الوطنية لمواجهة هذه التحديات التكنولوجية التى قلبت حال البشر ومصالحهم وعلاقاتهم لابد من تصميم أجندة معلوماتية جديدة تقضى بضرورة كفالة الحقوق المعلوماتية لجميع المواطنين أو بمعنى آخر تحقيق المواطنة المعلوماتية خصوصاً أن هذه الحقوق غير مكفولة واقعياً وتشريعياً محلياً ودولياً. ولن يتحقق ذلك فى ظل سياسة الاستقطاب والاحتكار المعلوماتى السائد حالياً ولتحقيق المشاركة المعلوماتية نشدد على ضرورة تكاتف مؤسسات المجتمع المدنى من أجل إنشاء شبكات معلوماتية مستقلة تعبر عن جموع المهمشين مع ضمان حمايتها بتشريعات وضوابط تكفل لها تحقيق المصداقية وتجنب قرصنة الفضاء المعلوماتى وذلك ضماناً لتحقيق المواطنة المعلوماتية. وتستهدف هذه الأجندة المناهضة للاستخدام التجارى لتكنولوجيا المعلومات وتأسيس المعرفة بمعناها العلمي
الإنسانى المتكامل والتى لا تتحقق من خلال التدفق الحر للمعلومات الذى لا يصنع معرفة حقيقية بل أدى إلى نوع من التخمة المعلوماتية التى أهدرت امكانية تشكيل المعرفة الصحيحة.