آخر الأخبار

العراق تحت لهيب الخمسين.. موجة الحر تتحول إلى تهديد للحياة

بغداد – إيجاز

مع بدء موجة حر جديدة تجتاح العراق، تتجدد التحذيرات الصحية في بلد اعتاد صيفاً شديد القسوة، إلا أن وصول درجات الحرارة إلى مستويات قياسية يجعل المخاطر تتجاوز الشعور بالإرهاق والانزعاج، لتتحول إلى تهديدات حقيقية قد تعرض حياة الآلاف للخطر، خصوصاً مع تجاوز الحرارة حاجز الخمسين درجة مئوية في عدد من المحافظات الجنوبية.

وتشير التوقعات الجوية إلى أن البلاد تتأثر بموجة حارة بدأت مطلع شهر أغسطس/آب الجاري، ومن المتوقع أن تستمر عدة أيام، مع تسجيل درجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية في بعض مدن الجنوب، فيما تلامس هذا المستوى في محافظات أخرى، الأمر الذي يرفع من معدلات الإجهاد الحراري ويزيد احتمالات الإصابة بضربات الشمس، ولا سيما خلال ساعات الظهيرة والعصر.

ويؤكد الطبيب عمر الكبيسي أن ارتفاع درجات الحرارة بهذا الشكل يجعل الجسم عرضة لفقدان كميات كبيرة من السوائل والأملاح خلال وقت قصير، ما يؤدي إلى اضطراب في وظائفه إذا لم يتم تعويضها سريعاً. وقال لـ”العربي الجديد” إن كثيراً من المواطنين لا يدركون حجم المخاطر الناتجة عن البقاء لفترات طويلة تحت أشعة الشمس، مبيناً أن المؤسسات الصحية تستقبل في كل صيف أعداداً متزايدة من المصابين بالإجهاد الحراري وضربات الشمس والجفاف، إلى جانب حالات انخفاض ضغط الدم والتشنجات العضلية والإغماء.

وتوصي الجهات الصحية بتجنب الخروج خلال ساعات الذروة الممتدة من أواخر الصباح وحتى ساعات العصر، إلا في الحالات الضرورية، مع ارتداء الملابس القطنية ذات الألوان الفاتحة، واستخدام القبعات أو المظلات، والإكثار من شرب المياه حتى في حال عدم الشعور بالعطش، فضلاً عن تجنب الأنشطة البدنية الشاقة في الأماكن المكشوفة. كما تشدد على ضرورة عدم ترك الأطفال أو كبار السن داخل السيارات المغلقة مهما كانت المدة، لما يمثله ذلك من خطر بالغ قد يهدد حياتهم.

ولا تقتصر التحذيرات على الجانب الوقائي، إذ يؤكد أطباء الطوارئ أن موجات الحر تنعكس بشكل مباشر على أعداد المراجعين في المستشفيات. ويقول الطبيب محمد الحديثي إن أقسام الطوارئ تشهد زيادة واضحة في أعداد المصابين كلما ارتفعت درجات الحرارة، موضحاً أن ضربة الشمس والإنهاك الحراري والجفاف تأتي في مقدمة الحالات التي تستدعي العلاج العاجل.

وأضاف أن أكثر الفئات تعرضاً للإصابة هم العمال الذين يواصلون أعمالهم في مواقع البناء والأسواق والشوارع المفتوحة، حيث تفرض عليهم طبيعة أعمالهم البقاء لساعات طويلة تحت أشعة الشمس. وأوضح أن بعض الحالات تصل إلى المستشفى وهي تعاني من ارتفاع شديد في حرارة الجسم مع فقدان الوعي أو اضطراب الإدراك، ما يتطلب تدخلاً طبياً سريعاً لتبريد الجسم ومنع حدوث مضاعفات قد تطال الدماغ أو بقية أعضاء الجسم.

ويرى مختصون أن تكرار هذه الإصابات كل صيف لا يرتبط بالظروف المناخية وحدها، بل يعكس أيضاً واقعاً اقتصادياً صعباً يدفع آلاف العمال إلى المجازفة بصحتهم من أجل تأمين مصدر رزقهم.

ويقول صادق جبار (47 عاماً)، الذي يعمل في تحميل البضائع داخل أحد الأسواق التجارية، إن ساعات الظهيرة تمثل الجزء الأصعب من يومه، إذ يشعر بإرهاق شديد وتصبب مستمر للعرق وصعوبة في التنفس مع حمل الأوزان الثقيلة. وأضاف لـ”العربي الجديد” أنه يحاول التقليل من آثار الحرارة عبر شرب المياه باستمرار، والجلوس في أماكن مظللة كلما أتيحت الفرصة، واستخدام قطعة قماش مبللة لتبريد الرأس والرقبة، لكنه يؤكد أن الظروف المعيشية لا تمنحه خيار التوقف عن العمل.

وفي التقاطعات المرورية، لا تبدو معاناة الباعة الجائلين أقل قسوة. ويقول حيدر حبيب (21 عاماً)، الذي يعمل في بيع مياه الشرب، إنه يقضي ساعات طويلة متنقلاً بين المركبات وسط حرارة الإسفلت والهواء اللاهب، مشيراً إلى أنه يعتمد على ارتداء قبعة، وشرب المياه بشكل متواصل، والوقوف في الظل كلما سنحت الفرصة، لكنه يختصر واقعه بالقول: “إن لم أعمل فلن تتمكن عائلتي من العيش”.

وفي المقابل، يلجأ كثير من المواطنين إلى تغيير نمط حياتهم اليومي للتكيف مع موجات الحر، عبر تأجيل أعمالهم الخارجية إلى ساعات الصباح الباكر أو بعد غروب الشمس، والبقاء في الأماكن المكيفة قدر الإمكان.

وتقول هبة علي، وهي موظفة في إحدى الدوائر الحكومية، إنها تتجنب الخروج من المنزل أو مكان العمل خلال ساعات الظهيرة إلا للضرورة، وتحرص على إنجاز أعمالها في الفترات الأقل حرارة، حفاظاً على صحتها.

أما صبا عبد الرحمن، وهي أم لأربعة أطفال، فتؤكد أن حماية أطفالها من درجات الحرارة المرتفعة أصبحت أولوية يومية خلال فصل الصيف، إذ تمنعهم من الخروج نهاراً حتى إلى حديقة المنزل، مشيرة إلى أن الحرارة تبقى مرتفعة حتى في الأماكن المظللة. وتضيف أنها تشجع أبناءها على ممارسة الأنشطة داخل المنزل، وتؤجل خروجهم إلى ساعات المساء، حيث تصطحبهم إلى المتنزهات أو المطاعم والمقاهي بعد انخفاض درجات الحرارة.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد