
بغداد – إيجاز
في وقتٍ تتواصل فيه التحقيقات بملفات فساد شغلت الرأي العام خلال الأسابيع الأخيرة، وفي مقدمتها قضية وكيل وزير النفط السابق عدنان الجميلي، بالتزامن مع الجدل الدائر بشأن الوضع المالي للدولة وما أثير حول الرصيد الدوار وخزينة الحكومة، تتباين القراءات السياسية إزاء هذه التطورات، بين من يعدّها بداية لمرحلة جديدة في مكافحة الفساد، ومن يرى أنها امتداد لتحقيقات انطلقت في الحكومة السابقة واستُكملت في المرحلة الحالية.
وفي هذا السياق، قال القيادي في ائتلاف الإعمار والتنمية محمد المطلبي، في حوار مع موقع “إيجاز” إن “ائتلاف الإعمار والتنمية كان من أوائل الجهات التي أعلنت دعمها لأي إجراءات حكومية تستهدف مكافحة الفساد، ولا يمكن لأحد المزايدة على موقفه في هذا الملف، لما يمتلكه من سجل واضح في تأييد ملاحقة المتورطين وإحالتهم إلى القضاء”، بحسب تعبيره.
علاقة السوداني بملف الجميلي
وأوضح المطلبي أن “النقاشات الدائرة حالياً تتجاهل أن الحكومة السابقة أحالت عشرات، وربما مئات، من المسؤولين إلى القضاء، بينهم شخصيات بدرجات وظيفية مختلفة، إلا أن التركيز الإعلامي انصب على القضايا التي تتصدر المشهد حالياً، في حين غابت عن الأذهان إجراءات وملفات فُتحت خلال المراحل السابقة”.
وأضاف أن “قضية وكيل وزير النفط السابق عدنان الجميلي لم تبدأ مع تنفيذ أمر القبض عليه، بل سبقتها أشهر من العمل الاستخباري والرقابي وجمع الأدلة خلال حكومة محمد شياع السوداني، إذ بدأت المؤشرات المدعومة بالوثائق تتجمع منذ شهري كانون الثاني وشباط، فيما اكتمل الملف بصورة شبه نهائية خلال شهر نيسان، قبل انتهاء ولاية الحكومة السابقة”.
وتابع أن “الحكومة الحالية استكملت بعض الإجراءات الفنية والقانونية، قبل تنفيذ أمر القبض، مؤكداً أن التحقيق في قضايا الفساد الكبرى لا يُبنى على الشبهات أو الاتهامات المتداولة إعلامياً، وإنما يستند إلى أدلة قانونية متكاملة تتيح للقضاء اتخاذ قراراته وفق الأصول”.
وأشار إلى أن “ما أُثير بشأن محاولة تقديم رشوة لرئيس الوزراء علي الزيدي، إن ثبتت صحته، أسهم في تسريع حسم الإجراءات، لكنه لم يكن نقطة انطلاق التحقيق، لأن الملف كان قد وصل إلى مراحل متقدمة من الاستكمال قبل ذلك، وكانت الجهات المختصة تتابعه منذ أشهر”.
وفي ما يتعلق بالحديث عن وجود جهات سياسية تقف خلف بعض ملفات الفساد، قال المطلبي إن “من الطبيعي أن تكون هناك مصالح أو استفادات سياسية واقتصادية لبعض الأطراف، إلا أن توجيه الاتهامات ينبغي أن يبقى مرهوناً بما يثبته القضاء، لأن إطلاقها من دون أدلة يحوّل الملف من مساره القانوني إلى ساحة للصراع السياسي”.
وأضاف أن “عدداً من القوى السياسية سارعت إلى نفي أي صلة لها ببعض الشخصيات المتهمة، الأمر الذي يعزز أهمية ترك الكلمة الفصل للقضاء، بعيداً عن الحملات الإعلامية أو محاولات توسيع دائرة الاتهامات من دون مستندات قانونية”.
وشدد المطلبي على أن “مكافحة الفساد تتطلب عملاً احترافياً في جمع الأدلة واستكمال التحقيقات، لأن التوسع في الاتهامات قبل اكتمالها قد يخلق حالة من الإرباك داخل مؤسسات الدولة، ويدفع أصحاب الكفاءات إلى العزوف عن تسلم المناصب العامة خشية التعرض لملاحقات قائمة على الشبهات لا على الوقائع المثبتة”.
هل خزينة الدولة خاوية؟
وفي الشق المالي، وصف المطلبي ما يُتداول بشأن خلو خزينة الدولة بأنه “طرح غير دقيق”، موضحاً أن “هناك فرقاً بين الرصيد الدوار المخصص لتغطية الإنفاق اليومي، وبين الاحتياطيات والأصول الاستراتيجية التي تمتلكها الدولة، إذ لا يمكن الخلط بين السيولة التشغيلية والملاءة المالية العامة”.
وأضاف أن “الرصيد الدوار يتأثر بطبيعة الاقتصاد العراقي المعتمد بصورة رئيسية على الإيرادات النفطية، وبالتالي فإن أي تراجع في الصادرات أو انخفاض في الإيرادات ينعكس على التدفقات النقدية اليومية، لكن ذلك لا يعني أن الدولة استنفدت احتياطياتها أو أصبحت عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها المالية”.
وختم المطلبي حديثه بالتأكيد على أن “نجاح أي حملة لمكافحة الفساد يرتبط باستمرارها ضمن الأطر القضائية والمؤسسية، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الإعلامي، لأن ترسيخ الثقة يتطلب تطبيق القانون على الجميع، مع احترام الضمانات القانونية وعدم إصدار الأحكام قبل اكتمال التحقيقات”.