آخر الأخبار

لماذا يعارض حزب بارزاني المشاريع الوطنية في العراق؟

بغداد – إيجاز

تكشف مواقف عدد من القيادات والأحزاب الكردية خلال السنوات الأخيرة عن نمط متكرر في التعاطي مع الملفات الوطنية الكبرى في العراق، إذ غالباً ما تقابل مشاريع الحكومة الاتحادية أو المبادرات ذات الطابع الاستراتيجي بتحفظات واعتراضات أو مطالبات بإعادة التفاوض وربطها بملفات أخرى، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن أسباب هذا السلوك السياسي وما إذا كان يرتبط بحسابات اقتصادية وسياسية تتجاوز الإطار الفني للمشروعات نفسها.

ويبرز هذا التوجه في أكثر من ملف، بدءاً من الجدل الذي رافق مشروع “طريق التنمية” الذي تراهن عليه بغداد ليكون ممراً تجارياً يربط الخليج بأوروبا، مروراً بالنقاشات المتعلقة بجدول انسحاب قوات التحالف الدولي، وصولاً إلى الخلافات المزمنة بشأن النفط والرواتب والإيرادات المالية بين بغداد وأربيل.

وفي ملف طريق التنمية، صدرت عن شخصيات في الحزب الديمقراطي الكردستاني مواقف اعتبرت أن المشروع بصيغته الحالية لا يخدم مصالح الإقليم بالشكل المطلوب، مع الدعوة إلى إعادة النظر في مساراته أو ضمان استفادة كردستان منه بصورة أكبر، وهو ما اعتبره مؤيدو المشروع محاولة لفرض تعديلات على خطة وطنية وضعتها الحكومة الاتحادية باعتبارها مشروعاً سيادياً يستهدف تنشيط الاقتصاد العراقي بأكمله.

كما ظهر التباين في قضية إنهاء مهمة قوات التحالف الدولي، إذ أبدت أطراف كردية تخوفها من الانسحاب السريع، معتبرة أن وجود القوات الأجنبية ما زال يشكل عامل استقرار في بعض المناطق، بينما رأت قوى سياسية أخرى في بغداد أن إنهاء المهمة يمثل استحقاقاً سيادياً ينبغي تنفيذه وفق جدول زمني واضح يعزز استقلال القرار الأمني العراقي.

أما الخلاف الأكثر حضوراً فيبقى مرتبطاً بالنفط والرواتب، حيث تتجدد الأزمة مع كل اتفاق جديد بين بغداد وأربيل. ففي أحدث حلقاتها عاد الجدل بعد مطالبات نيابية بوقف تمويل رواتب موظفي الإقليم بسبب عدم تنفيذ بعض الالتزامات المالية، بينما سارعت حكومة كردستان إلى التأكيد أنها أوفت بما عليها وفق القوانين والاتفاقات المبرمة.

وفي هذا السياق، قدّم عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني ريبين سلام رؤية تعكس جانباً من موقف أربيل، إذ اعتبر أن جهات سياسية في بغداد تضع العراقيل أمام أي محاولة لحل مشكلة الإقليم، مؤكداً أن حكومة كردستان دعمت الحكومة الجديدة وسعت إلى إنجاحها من خلال الزيارات والاتصالات السياسية المستمرة.

ويرى سلام أن الحرب الدائرة في المنطقة وانخفاض الإيرادات أثرا بشكل مباشر في قدرة حكومة الإقليم على الإيفاء ببعض الالتزامات المالية، موضحاً أن تراجع الموارد حال دون تسديد المبالغ المتفق عليها بالكامل، وأن الأزمة الاقتصادية لا تخص كردستان وحدها بل تشمل العراق والمنطقة بأسرها.

وفي ما يتعلق بالنفط، حمّل سلام الفصائل المسلحة مسؤولية توقف الإنتاج في الإقليم، معتبراً أن الهجمات التي استهدفت الحقول النفطية دفعت الشركات إلى وقف عملياتها، وأن الحكومة الاتحادية لم تتمكن من توفير الحماية الأمنية الكافية لاستمرار العمل، وهو ما انعكس على حجم الصادرات والإيرادات.

كما شدد على أن حكومة الإقليم التزمت، بحسب رأيه، ببقية الشروط التي طلبتها بغداد، بما في ذلك إرسال قوائم الرواتب وتطبيق الأنظمة المالية وتقديم الجداول الخاصة بالمصروفات، إلا أن الاعتبارات السياسية ما تزال حاضرة في إدارة هذا الملف.

في المقابل، ترفض قوى كردية معارضة هذه الرواية بالكامل. إذ يحمّل تيار الموقف الكردي حكومة الإقليم مسؤولية استمرار الأزمة، معتبراً أن بغداد أبدت مرونة كبيرة في الأشهر الماضية وأرسلت الأموال رغم وجود ملاحظات على تنفيذ الاتفاقات، بينما استمرت سلطات الإقليم في المماطلة وتأجيل تسوية الملفات العالقة.

ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الخلافات لا ترتبط فقط بالأزمة المالية، بل أيضاً بإدارة قطاع النفط والإيرادات الداخلية، مشيرين إلى أن استمرار التباين بين الجانبين ينعكس سلباً على المواطنين الذين يجدون أنفسهم في قلب نزاع سياسي يتكرر بصورة دورية.

ويرى مراقبون أن الحكومات الاتحادية المتعاقبة غالباً ما تحاول في بداياتها إظهار قدر من المرونة تجاه إقليم كردستان لتجنب الأزمات الداخلية والحفاظ على الاستقرار السياسي، إلا أن هذه المحاولات تصطدم في كثير من الأحيان بتراكمات الملفات المالية والنفطية وتعقيدات العلاقة بين الطرفين.

وفي الوقت ذاته، تشير قراءات سياسية إلى أن البيئة الإقليمية والدولية تلعب دوراً مؤثراً في إدارة هذه الملفات، إذ تسعى بغداد إلى تجنب أي توتر داخلي في ظل المتغيرات الأمنية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، فضلاً عن اهتمام أطراف دولية باستقرار العراق واستمرار عمل مؤسساته دون أزمات حادة.

وبين اتهامات متبادلة بشأن تعطيل الاتفاقات، واعتراضات على مشاريع استراتيجية، وخلافات مستمرة حول النفط والرواتب، يبقى الجدل قائماً بشأن طبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل، وما إذا كانت الخلافات تعكس تبايناً مشروعاً في المصالح والرؤى أم أنها تحولت إلى نمط سياسي دائم يرافق معظم المبادرات الوطنية الكبرى التي تطرحها الدولة العراقية.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد