
بغداد – ايجاز
في أجواء انتخابية وُصفت بالهادئة والمستقرة، شهدت المراكز الانتخابية في عموم المحافظات العراقية تفاوتاً واضحاً في نسب المشاركة بين الأرياف والمدن، حيث سجلت المناطق الريفية حضوراً لافتاً منذ ساعات الصباح الأولى، مقابل إقبال متدرج في المدن الكبرى مثل بغداد والبصرة والنجف والموصل.
وهذا التباين بدا انعكاساً لطبيعة المزاج الاجتماعي والسياسي، ولطريقة تعاطي الناخبين مع الاستحقاق الانتخابي السادس في البلاد بعد عام 2003.
وأكد رئيس الفريق الإعلامي في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، عماد جميل، أن “المفوضية لم تسجّل أي خرق أمني أو فني حتى الآن، وأن كاميرات المراقبة تتابع جميع المحطات الانتخابية”، مشيراً إلى أن “تدريب الكوادر على الأجهزة الحديثة أسهم في نجاح العملية وسرعة التصويت”.
وأضاف أن “نسب المشاركة في الأرياف وأطراف المدن كانت مرتفعة منذ الصباح، وهو ما يعكس الثقة المتزايدة بإجراءات المفوضية والتنظيم الجيد داخل المحطات”.
ويرى مراقبون أن ارتفاع نسب التصويت في الأرياف يعود إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية المتماسكة وشعور الناخبين هناك بأن العملية الانتخابية تمسّهم بشكل مباشر، بينما تضعف هذه الحماسة في المدن نتيجة تراكم الإحباط من الأداء الحكومي والبرلماني، وتعدد القوائم والبرامج، ما يجعل الناخب في المدن أكثر تردداً وأقل تفاعلاً.
ومع ذلك، بدت العملية الانتخابية هذا العام أكثر هدوءاً وتنظيماً، خصوصاً مع اعتماد أجهزة إلكترونية محدثة ونظام مراقبة مباشر للمحطات، ما منح الناخبين قدراً أعلى من الثقة.
وفي المقابل، يرى الباحث السياسي علي الحبيب أن الصورة الإيجابية في بعض المناطق لا تُخفي وجود مشكلات بنيوية أعمق داخل النظام السياسي العراقي، مشيراً إلى أن “الانخفاض في نسب المشاركة، إن تحقق في المدن، لا يمثل مجرد رقم بل يعكس هشاشة شرعية الديمقراطية، ويُعمّق سيطرة الأحزاب التقليدية ويفتح الباب أمام عدم استقرار طويل الأمد للعملية السياسية”.
وأوضح الحبيب في تصريح صحفي تابعه موقع “ايجاز” أن “أسباب البرود تعود إلى فشل برامج الإصلاح المتكررة رغم موجات الاحتجاج الشعبي، وإلى استمرار الفساد وإحياء الخطاب الطائفي الذي برز مجدداً خلال الفترة الأخيرة، وهو ما زاد من فقدان الثقة الشعبية بالطبقة السياسية”. وأضاف أن “غياب التيار الصدري عن انتخابات 2025 بعد حصوله في 2021 على نحو 800 ألف صوت فقط، يُعد عاملاً حاسماً في تفاقم انخفاض المشاركة داخل المدن، لاسيما بعد تغريدات وفتاوى زعيمه التي دعت إلى المقاطعة وأثرت في جمهور واسع من الناخبين”.

ويشير الحبيب إلى أن “تراجع المشاركة يضعف التمثيل الشعبي داخل البرلمان المقبل، ويجعل القرار السياسي أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية والإقليمية”، لكنه في الوقت نفسه يرى أن “المقاطعة تبقى أداة احتجاجية طويلة الأمد يحتفظ عبرها التيار الصدري بتأثيره السياسي والاجتماعي، بانتظار تعديل قوانين الانتخابات بما يتناسب مع رؤيته”.
وبعد أكثر من عشرين عاماً على أول تجربة ديمقراطية في البلاد، لا تزال نسب الإقبال تتراجع من دورة إلى أخرى، إذ بلغت في انتخابات 2014 نحو 60% بحسب الأرقام الرسمية، قبل أن تنخفض في انتخابات 2018 إلى 44.5%.
وسجلت الانتخابات العراقية أدنى مستوى تاريخي لها في انتخابات 2021 بنسبة 41% فقط.
توقعات مراكز الاستطلاع
وفي هذه الانتخابات تشير تقديرات مراكز البحوث، ومنها المجموعة المستقلة للدراسات، إلى أن نسبة المشاركة الحالية قد تتراوح بين 30 و40% فقط من المسجلين بايومترياً، وهي نسبة شكلية لا تعكس المشاركة الفعلية، لأن جزءاً كبيراً من العراقيين المؤهلين للتصويت لم يُحدّث بياناته أصلاً.
ويرى مختصون أن العزوف الشعبي بات ظاهرة مزمنة في السلوك الانتخابي العراقي، نتيجة تراكم الإخفاقات في إدارة الدولة، واستمرار أزمات الخدمات والبطالة والفساد، إلى جانب هيمنة السلاح المنفلت الذي فرض بيئات انتخابية مضطربة في بعض المحافظات، فضلاً عن تزايد القناعة بأن نتائج الانتخابات تُحسم في غرف المفاوضات لا عبر صناديق الاقتراع.