
بغداد – إيجاز
تشهد الساحة العراقية تضارباً في الروايات الرسمية والأمنية بشأن حقيقة وجود “موقع إسرائيلي سري” أو “مفرزة أمريكية” في صحراء كربلاء والنجف، فبينما تحدثت لجنة الأمن والدفاع النيابية عن احتكاك مباشر مع قوة أجنبية أدى إلى سقوط شهيد من القوات العراقية، نفت خلية الإعلام الأمني وجود أي مقار ثابتة أو تواجد مستمر لتلك القوة داخل المنطقة الصحراوية.
وفي وقت يحذر فيه خبراء أمنيون من “فراغ استخباري” وخرق واضح للسيادة العراقية، تتزايد المخاوف من تحول الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة ضمن الصراع الإقليمي المتصاعد بين إيران وإسرائيل، وما قد يرافق ذلك من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة.
وقال عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية مهدي تقي الآمرلي، إن “مفرزة أمريكية نزلت في المنطقة، وبعدها جرى تنسيق بين الحشد الشعبي والجيش العراقي والتوجه إلى الإحداثية التي قيل إن فيها تواجداً لقوة أجنبية”، مبيناً أن “الأمر لم يكن يتعلق بقاعدة عسكرية، وإنما بوجود محدود على شكل مفرزة”.
وأضاف أن “نوايا هذه المفرزة لم تكن واضحة، خصوصاً أن الأجواء العراقية ما تزال تخضع عملياً لسيطرة الأمريكيين وليست بيد الجيش العراقي بشكل كامل”، لافتاً إلى أن “احتكاكاً وقع في الموقع أعقبه اصطدام مباشر أدى إلى سقوط شهيد من الجيش العراقي”.
وأوضح الآمرلي أن “القوات الأمنية نفذت في اليوم التالي عمليات تفتيش واسعة للمنطقة، ولم تعثر على أي قاعدة أو مقر ثابت”، مرجحاً أن “تكون القوة ذات طابع استخباري أو لأغراض التجسس والرصد”.
وفي السياق ذاته، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، أن إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية لدعم عملياتها العسكرية ضد إيران خلال الحرب الأخيرة التي اندلعت أواخر شباط الماضي.
وبحسب التقرير، فإن الموقع استخدم كمركز لوجستي للقوات الخاصة وفرق الإنقاذ والرصد، فيما تحدثت تقارير إسرائيلية لاحقة عن نشر وحدات كوماندوز وطواقم طبية متقدمة داخل الصحراء العراقية تحسباً لإسقاط طائرات إسرائيلية خلال العمليات العسكرية.
وتقع المنطقة التي شهدت الحادث في عمق الصحراء الممتدة بين محافظتي النجف وكربلاء، وهي منطقة وعرة ومعقدة جغرافياً، تضم أودية وتلالاً صخرية وكثباناً رملية واسعة، ما يجعل مراقبتها والسيطرة عليها أمنياً أمراً بالغ الصعوبة.
من جهته، قال الخبير الأمني سيف رعد طالب إن “الحديث عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية متكاملة داخل العراق قد يكون مبالغاً فيه من الناحية العسكرية”، مرجحاً أن “ما جرى هو وجود مفرزة خاصة محدودة ذات طابع استخباري أو استطلاعي”.
وأضاف أن “إنشاء قاعدة عسكرية كاملة يحتاج إلى دعم لوجستي واسع وإمدادات مستمرة وعناصر كبيرة، بينما ما تشير إليه المعطيات الحالية أقرب إلى مفارز خاصة للإنزال والرصد والاستطلاع”.
وأكد طالب أن “وجود أي قوة إسرائيلية أو أجنبية داخل الأراضي العراقية يمثل خرقاً صارخاً للسيادة العراقية ويتقاطع مع القانون الدولي والدستور العراقي”، مشيراً إلى أن “التقارير الأمريكية والإسرائيلية توحي بأن العملية تمت بدعم أو معرفة أمريكية مسبقة”.
وبيّن أن “القوات العراقية تحركت بعد ورود معلومات عن نشاط غير طبيعي في المنطقة، ما دفع قيادة العمليات إلى إرسال دورية استطلاعية تعرضت لاحقاً لقصف جوي أدى إلى استشهاد أحد عناصرها وإصابة آخرين”.
وأشار إلى أن “تضارب الروايات يعود إلى الطبيعة السرية للعملية، فضلاً عن الكشف المتأخر للمعلومات وربطها لاحقاً بتقارير صحفية أمريكية وإسرائيلية تحدثت عن موقع سري داخل الصحراء العراقية”.
وحذر طالب من أن “هذه التطورات تعكس وجود فراغ استخباري واضح في المناطق الصحراوية الممتدة بين كربلاء والنجف والأنبار”، مؤكداً أن “استمرار استخدام الأراضي العراقية ضمن الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي قد يدفع العراق تدريجياً نحو التحول إلى ساحة حرب متقدمة”.
وأضاف أن “المخاطر لا تتوقف عند الجانب العسكري، بل تمتد إلى الأبعاد السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، من خلال تعقيد علاقة العراق مع الأطراف الإقليمية والدولية، وخلق ذرائع جديدة لتصعيد الهجمات داخل البلاد”.
وفي المقابل، نفت خلية الإعلام الأمني وجود أي تواجد حالي لتلك القوة داخل الصحراء العراقية، مؤكدة أن الحادثة تعود إلى آذار الماضي، وأن القوات العراقية نفذت لاحقاً عمليات تفتيش واسعة في المناطق الصحراوية من دون العثور على أي مقار أو معدات أو عناصر أجنبية غير قانونية.