
بغداد – إيجاز
فتحت حملة مكافحة الفساد الأخيرة في بغداد باب المقارنة مع إقليم كردستان، حيث تتصاعد مطالب شعبية وسياسية بإطلاق حملة مماثلة داخل الإقليم، لا تستثني كبار المسؤولين وشبكات المال والنفط والعقارات والمنافذ، في ظل اتهامات متراكمة لسلطات أربيل والسليمانية بإدارة ثروات الإقليم بعيداً عن الشفافية والمساءلة.
وجاءت هذه المطالب بعد حملة واسعة نفذتها السلطات الاتحادية في بغداد، وأسفرت عن اعتقال سياسيين ومسؤولين بتهم فساد، ضمن ما وصفته الحكومة بأنه مسار لحماية المال العام وملاحقة شبكات الفساد المتجذرة داخل مؤسسات الدولة
ويرى مواطنون في الإقليم أن ما جرى في بغداد أعاد طرح سؤال قديم، يتعلق بسبب غياب إجراءات مشابهة في كردستان، رغم سنوات من أزمات الرواتب، وتعثر الخدمات، والجدل المستمر حول إيرادات النفط والمنافذ والضرائب والعقود الحكومية.
وقال بكر ياسين، موظف حكومي من السليمانية، إن “المواطن في كردستان لم يعد يثق بالوعود، فكل أزمة تُعلّق على بغداد، بينما لا أحد يشرح أين تذهب إيرادات النفط والمنافذ والرسوم الداخلية”.
وأضاف لـ”إيجاز” أن “أي حملة حقيقية لمكافحة الفساد يجب أن تبدأ من ملفات الرواتب والنفط والعقارات، لا من الموظفين الصغار، لأن الناس تريد معرفة ثروات المسؤولين قبل سماع بيانات جديدة عن الإصلاح”.
وتكشف أزمة الرواتب جانباً من عمق المشكلة، إذ عانى موظفو الإقليم خلال السنوات الماضية من تأخير مستمر واقتطاعات وعدم انتظام في الصرف، بينما تحدثت تقارير عن أن الأزمة تحولت إلى عبء يومي على المعلمين والموظفين والمتقاعدين وأسرهم
كما أن الاتفاقات المتكررة بين بغداد وأربيل بشأن الرواتب والإيرادات لم تنه الشكوك الشعبية، إذ أعلنت الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في حزيران 2026 اتفاقاً جديداً لتنظيم صرف الرواتب شهرياً، بعد سنوات من الخلاف حول النفط والإيرادات غير النفطية
بدوره، قال هوكر تحسين، إن “الفساد في الإقليم لا يظهر فقط في سرقة المال، بل في احتكار الفرص، فالوظيفة والعقد والاستثمار وحتى أبسط المعاملات تحتاج إلى حزب أو واسطة أو علاقة مع نافذ”.
وأضاف لموقع “إيجاز” أن “من غير المقبول أن يعيش المواطن على راتب متأخر، فيما تتوسع ثروات المسؤولين وأقاربهم وشركاتهم، ولذلك نريد حملة علنية لا تخاف من الأسماء الكبيرة”.
وتتركز أبرز الانتقادات الموجهة إلى سلطات الإقليم في ملف النفط، حيث ظل الخلاف مع بغداد قائماً لسنوات بشأن إدارة الصادرات والعائدات، خصوصاً بعد توقف خط كركوك – جيهان في آذار 2023 إثر حكم تحكيمي دولي ضد تركيا بسبب صادرات الإقليم المستقلة، قبل أن تعود محاولات التفاهم بين الجانبين بشأن تسويق النفط عبر شركة “سومو”
ويرى مراقبون أن غياب الشفافية الكاملة في ملفي النفط والإيرادات غير النفطية جعل المواطن في كردستان يدفع ثمن الصراع السياسي بين بغداد وأربيل من راتبه ومعيشته، فيما بقيت الطبقة الحاكمة في الإقليم بعيدة عن أي مساءلة واسعة تشبه ما يجري حالياً في العاصمة.
وقالت سناء الجاف من دهوك إن “المواطن لا يريد صراعاً جديداً بين بغداد وأربيل، بل يريد معرفة من تسبب بضياع الرواتب ومن استفاد من النفط ومن استحوذ على الأراضي والمشاريع”.
وتضيف لموقع “إيجاز” أن “أي حكومة تحترم شعبها يجب أن تبدأ بكشف الحسابات، لا بإلقاء اللوم على الآخرين”.
وتواجه سلطات الإقليم اليوم اختباراً سياسياً حساساً، فالحملة التي بدأت في بغداد رفعت سقف توقعات الشارع الكردي، ودفعت كثيرين إلى المطالبة بفتح ملفات ظلت لسنوات محاطة بالحماية الحزبية، من العقود النفطية إلى الأراضي الاستثمارية، ومن المنافذ إلى التعيينات والرواتب الوهمية.
وبحسب مراقبين، فإن إطلاق حملة جدية داخل الإقليم لن يكون ممكناً من دون قضاء مستقل، ورقابة مالية حقيقية، وكشف علني لحسابات النفط والإيرادات المحلية، فضلاً عن منع الأحزاب من استخدام مؤسسات الحكم غطاءً لحماية شبكات المصالح.
وبينما تحاول سلطات الإقليم تقديم أزمة الرواتب والخدمات بوصفها نتيجة للخلاف مع بغداد، يتزايد داخل كردستان شعور شعبي بأن الفساد المحلي لا يقل خطورة عن الفساد في المركز، وأن أي حملة عراقية شاملة ستبقى ناقصة ما لم تصل إلى أربيل والسليمانية ودهوك، وتفتح الملفات التي يتحدث عنها الشارع منذ سنوات بصوت خافت.