
بغداد – إيجاز
بينما وجد العراق نفسه خلال الأشهر الماضية في قلب واحدة من أعقد الأزمات الإقليمية، بدءاً من الحرب الأمريكية الإيرانية، مروراً بإغلاق مضيق هرمز وما خلّفه من خسائر اقتصادية، وصولاً إلى الضربات الأمريكية السعودية التي استهدفت مواقع داخل البلاد، والرسائل الأمنية التي وجهتها دول الجوار، يطرح مراقبون تساؤلات بشأن الدور الذي أدته وزارة الخارجية العراقية، في وقت تصدر فيه رئيس الوزراء والأجهزة الأمنية واجهة إدارة هذه الملفات.
فمنذ اندلاع التصعيد الإقليمي، انشغلت بغداد باحتواء تداعياته على أمنها واقتصادها وعلاقاتها الخارجية، إذ واجهت أزمة غير مسبوقة بعد تعطل صادرات النفط عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع تعرض مواقع داخل العراق لضربات أمريكية سعودية، فضلاً عن تصاعد الضغوط الدولية والعربية المرتبطة بملف الفصائل المسلحة، وهو ما جعل السياسة الخارجية العراقية أمام اختبار غير مسبوق.
وخلال الأسابيع الأخيرة، كشفت تقارير إعلامية عن رسائل مباشرة تلقتها بغداد من عدد من دول الجوار، إذ نقلت قناة “العربية” عن مصدر سياسي أن الحكومة السورية أبلغت دبلوماسيين عراقيين بأنها سترد على أي هجوم ينطلق من الأراضي العراقية، بعد رصد تحركات لفصائل مسلحة قرب الحدود. كما كشف مصدر رسمي أردني أن عمّان أبلغت الحكومة العراقية بأنها ستستهدف “ميليشيات إيران” إذا نفذت هجمات ضد الأراضي الأردنية، مؤكداً امتلاك بلاده معلومات عن مخططات لاستهداف المملكة.
وفي المقابل، كانت الحكومة العراقية تتحرك على أكثر من مسار لاحتواء الأزمة، عبر تكثيف الإجراءات الأمنية على الحدود، والمضي في مشروع حصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب تحركات سياسية قادها رئيس الوزراء علي الزيدي في عدد من العواصم، شملت واشنطن وطهران وأنقرة، في محاولة لإبعاد العراق عن دائرة الصراع الإقليمي.
لكن هذه التطورات فتحت باب التساؤلات بشأن الحضور الدبلوماسي لوزارة الخارجية، ومدى مساهمتها في إدارة هذه الملفات، خصوصاً أن معظم الرسائل السياسية والأمنية خلال الفترة الماضية صدرت عن مكتب رئيس الوزراء أو الجهات الأمنية، فيما بقي دور الوزارة أقل حضوراً في المشهد العام.
بدوره، قال الباحث السياسي محمد التميمي إن “وزارة الخارجية العراقية لم تكن بالمستوى الذي تفرضه طبيعة المرحلة، إذ إن العراق يواجه اليوم تحديات إقليمية معقدة تتطلب حراكاً دبلوماسياً واسعاً ومستمراً، لا الاكتفاء بردود الفعل أو البيانات التقليدية”.
وأضاف التميمي لـ”إيجاز” أن “التهديدات التي صدرت من بعض دول الجوار، والرسائل الأمنية المتبادلة، كان يفترض أن تقابل بتحرك دبلوماسي أكثر فاعلية لاحتواء التوترات وتأكيد التزام بغداد بمنع استخدام أراضيها للاعتداء على الآخرين”.
وتابع أن “الملف الخارجي خلال المرحلة الأخيرة بدا أقرب إلى أن يدار من قبل رئاسة الوزراء والأجهزة الأمنية، في حين تراجع حضور وزارة الخارجية، وهو ما يستوجب إعادة تقييم أدائها بما ينسجم مع حجم التحديات التي تواجه العراق”.
وأشار إلى أن “هناك من يعتقد أن طبيعة التوازنات السياسية التي تحكم إدارة وزارة الخارجية، ومن بينها كونها من حصة الحزب الديمقراطي الكردستاني، أثرت في أولويات عملها، وهو أمر يحتاج إلى مراجعة لضمان أن تنطلق السياسة الخارجية من المصالح الوطنية العراقية حصراً”.
ويرى مراقبون أن التحركات التي قادها رئيس الوزراء في الأشهر الأخيرة أسهمت في احتواء جانب من الضغوط الخارجية، إلا أن إدارة العلاقات مع الدول العربية والإقليمية، ومعالجة الرسائل والاعتراضات والتهديدات المتبادلة، تمثل في الأصل إحدى أهم وظائف المؤسسة الدبلوماسية، الأمر الذي يفرض، بحسب مختصين، تفعيل دور وزارة الخارجية بصورة أكبر خلال المرحلة المقبلة.
ويؤكد هؤلاء أن العراق مقبل على مرحلة تتطلب دبلوماسية نشطة لا تقل أهمية عن الجهد الأمني، خاصة مع استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، وتعقيدات العلاقة مع الفصائل المسلحة، وملفات أمن الحدود، فضلاً عن الحاجة إلى تعزيز الثقة مع السعودية والأردن وسوريا ودول الخليج، وحماية المصالح الاقتصادية العراقية من أي انعكاسات جديدة للأزمات الإقليمية.
وفي ظل هذه المعطيات، يعتقد مراقبون أن نجاح العراق في تجاوز المرحلة الحالية لن يتوقف على الإجراءات الأمنية وحدها، وإنما على قدرة مؤسساته الدبلوماسية على مواكبة التحولات المتسارعة، وإدارة علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، بما يضمن إبعاد البلاد عن الصراعات، وترسيخ حضورها لاعباً مستقلاً في محيطها الإقليمي.