آخر الأخبار

حين يغيب رجال الدولة : تحضر الأزمات .؟

رأي و موقف
بقلم/ طه الأركوازي

ليس أخطر ما يُصيب الأوطان أن تفتقر إلى المال ، بل أن تفتقر إلى رجال الدولة ، فالثروات قد تمنح الدول فرصةً للنهوض لكنها لا تصنع نهضةً بذاتها .
أما الإدارة الرشيدة والرؤية الإستراتيجية فهما اللتان تحولان الفُرص إلى حضارة ، والموارد إلى مُؤسسات ، والأزمات إلى محطات عبور لا إلى قدرٍ دائم ، ولهذا لا يكتب التاريخ أسماء الأغنياء فحسب ، بل يُخلد أسماء الذين عرفوا كيف يبنون الدولة ويصونونها ، وعندما نستحضر شيئاً من تاريخ العراق الحديث فإن الغاية ليست أستدعاء الحنين إلى الماضي ، ولا إصدار أحكامٍ قطعية على مراحله المُختلفة ، وإنما البحث عن الدروس التي تستحق أن تُقرأ بعقل الدولة لا بعاطفة السياسة .
فقد شهدت الحقبة الملكية رغُم ما أحاط بها من تعقيدات داخلية وتأثيرات خارجية ، ظهور شخصيات أمتلكت رؤية لإدارة الدولة ، مثل “نوري السعيد ، وياسين الهاشمي ، وجعفر العسكري ، ومحمد فاضل الجمالي ، وساسون حسقيل” الذي ما زال يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز مُؤسسي الإدارة المالية العراقية الحديثة ، ورمزاً للمهنية والنزاهة والانضباط في حماية المال العام .
لم يكن أولئك معصومين من الخطأ ، ولم تكن تلك المرحلة مثالية ، لكن الفارق الجوهري أن الدولة كانت تُدار بعقلية البناء .
فقد تأسست المؤسسات ، ووُضعت القواعد الأولى للإدارة الحديثة ، وأُنشئ الجيش والشرطة والقضاء ، وتوسع التعليم ، وظهرت مشاريع إستراتيجية في الري والسدود والطرق والمستشفيات والمدارس عبر مجلس الإعمار ، وكان التخطيط يمتد إلى سنوات طويلة لا إلى دورة أنتخابية أو مكسب سياسي عابر .

أما اليوم ، فإن السؤال الذي يُؤرق العراقيين ليس هو كم نملك من الثروات .؟
بل أين ذهبت نتائجها .؟
فمنُذ أكثر من عقدين والعراق يمتلك إمكانات مالية هائلة ، ومع ذلك ما تزال الخدمات الأساسية تُراوح مكانها ، وتتعاقب الأزمات من “الكهرباء والمياه إلى الصحة والتعليم والإسكان” حتى أصبح الحديث عن الرواتب والمُستحقات الاجتماعية يتكرر بوصفه أزمة موسمية .
إن هذه المُفارقة تكشف أن المشكلة ليست في الموارد ، وإنما في نمط إدارة الدولة ، وفي غياب التخطيط بعيد المدى ، وفي أستشراء الفساد ، وفي تحويل كثير من المُؤسسات إلى ساحاتٍ للتنافس السياسي بدل أن تكون أدواتٍ لخدمة المواطن .
والتاريخ الحديث يُقدم شواهد لا تُحصى على أن سوء الإدارة قد يهدُم أوطانًا ، لكنه يُؤكد في الوقت نفسه أن الإرادة السياسية الواعية قادرة على إعادة بنائها .
“فسنغافورة” لم ترث الثروة ، بل صنعتها حين جعلت النزاهة والكفاءة أساساً للحكُم .
“وكوريا الجنوبية” خرجت من حربٍ مُدمرة لتصبح إحدى القوى الاقتصادية الكبرى لأنها آمنت بالإنسان والتعليم والتخطيط .
أما “رواندا” فقد نهضت من رماد واحدة من أبشع المآسي الإنسانية ، بعدما قررت أن تجعل القانون فوق الجميع ، وأن تبني المُؤسسات قبل الشعارات ، وأن تجعل مُكافحة الفساد سياسة دولة لا مادةً في الخطب .
هذه التجارب لا تصلح للاستنساخ ، لكنها تؤكد حقيقةً واحدة إنها لا توجد دولة محكُومة بالفشل إذا أمتلكت قيادة تُؤمن بالإصلاح أكثر من إيمانها بإدارة النفوذ ، وتُؤمن بالمُؤسسات أكثر من الأشخاص ، وبالمواطنة أكثر من المُحاصصة .

أخيراً وليس آخراً … إن العراق اليوم لا يُعاني أزمة موارد ، بل أزمة إدارة ، ولا يفتقر إلى الإمكانات ، بل إلى مشروع وطني جامع يُعيد تعريف الدولة بوصفها مسؤولية لا غنيمة .
فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإنهاء المُحاصصة السياسية والإدارية ، وترسيخ مبدأ الكفاءة والنزاهة في شغل المناصب ، وتعزيز أستقلال القضاء ، وحماية المال العام ، وتوجيه الثروة نحو الإنتاج والتعليم والصناعة والزراعة والبنية التحتية ، لأن التنمية ليست قراراً مالياً فحسب ، بل هي قبل ذلك قرارٌ سياسي وأخلاقي .
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تنهار حين تقل مواردها ، وإنما حين تفقد “بوصلتها”، والعراق ما زال يمتلك فُرصةً تاريخية لأستعادة تلك البوصلة ، شرط أن تُدرك الطبقة السياسية أن شرعية الدول لا تُقاس بطول البقاء في السُلطة ، بل بما تتركه من مُؤسساتٍ قوية ، وأقتصادٍ متين ، وعدالةٍ يشعر بها المواطن ، فالأوطان لا تحتاج إلى مزيدٍ من الشعارات ، بل إلى رجال دولة يُفكرون بما سيتركوه للأجيال القادمة ، لا بما سيكسبونه في الاستحقاق السياسي القادم .
وعندما تتحول الدولة من ساحةٍ لتقاسم المصالح إلى مشروعٍ لبناء الإنسان والمؤسسات ، عندها فقط سيستعيد العراق مكانته التي يستحقها بين الأمم وسيصبح المُستقبل أمتداداً لتاريخه لا حنيناً إليه …!

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد