آخر الأخبار

رفع سعر الدولار يكشف أزمة إدارة الاقتصاد العراقي.. سيولة للخزينة وضغوط على الأسواق وموازنة 2027 أمام اختبار صعب

بغداد – إيجاز

تكشف خطوة رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي عن تحديات متزايدة تواجه إدارة الاقتصاد والمالية العامة في البلاد، في ظل اتساع الالتزامات الحكومية وعدم استقرار الإيرادات النفطية، فيما تتجه المعالجات نحو توفير السيولة اللازمة لتغطية الإنفاق العام، بدلاً من معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد منذ سنوات، بالتزامن مع تداول تقديرات لموازنة 2027 تتضمن إنفاقاً يصل إلى 217 تريليون دينار، وسط مخاوف من انتقال أعباء معالجة العجز إلى الأسواق والمواطنين.

صدمة الأسواق

ويقول الخبير الاقتصادي سيف الحلفي إن “رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار يشكل صدمة للأسواق العراقية، ويمنح المضاربين فرصة لاستغلال المخاوف ونشر الشائعات وتحقيق أرباح من التقلبات السعرية، غير أن هذه الصدمات لا تستمر بالضرورة، إذ تتكيف الأسواق تدريجياً مع السعر الجديد، وتتراجع قدرة المضاربين على فرض أسعار بعيدة عن السعر الرسمي الذي يعتمده البنك المركزي”.

ويضيف الحلفي أن “البنك المركزي تأخر كثيراً في اتخاذ الإجراءات المتعلقة بسعر الصرف، وكان ينبغي التحرك في وقت سابق لمواجهة الظروف الجيوسياسية المحيطة بالعراق والصعوبات التي تواجه تصدير النفط، خصوصاً أن الاقتصاد العراقي ما يزال يعتمد بصورة شبه كاملة على الدولار المتأتي من الإيرادات النفطية، بعدما أخفقت الحكومات المتعاقبة في تنويع مصادر الدخل وتوفير موارد دولارية بديلة”.

ويعيد قرار تعديل سعر الصرف إلى الواجهة الجدل بشأن طبيعة المعالجات الاقتصادية، إذ إن خفض قيمة الدينار يتيح للحكومة زيادة الإيرادات النفطية المحتسبة بالعملة المحلية، دون تحقيق زيادة فعلية في كميات النفط المصدرة أو العائدات الدولارية، وهو ما يوفر للخزينة مساحة مالية إضافية لتغطية الالتزامات، لكنه لا يعالج ضعف الإنتاج المحلي أو الاعتماد الواسع على الاستيراد، بل قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

وتتضاعف أهمية هذه التطورات مع اقتراب إعداد موازنة 2027، في ظل استمرار الالتزامات المتعلقة برواتب الموظفين والمتقاعدين والإنفاق التشغيلي ومستحقات المقاولين والمزارعين، فضلاً عن الحاجة إلى تمويل المشاريع الاستثمارية، ما يجعل إدارة سعر الصرف جزءاً من معادلة مالية أكثر تعقيداً ترتبط بقدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات.

وفي السابع من تشرين الأول أكتوبر، أعلن البنك المركزي العراقي تعديل سعر الصرف رسمياً، ليصبح سعر شراء الدولار من وزارة المالية 1500 دينار، وسعر بيعه للمصارف 1510 دنانير، وللجمهور 1520 ديناراً، بعدما كان السعر الأخير يبلغ 1320 ديناراً، وجاء القرار عقب موافقة مجلس الوزراء على التعديل، بالتزامن مع إلغاء إجراء الاستيفاء المسبق للرسوم الكمركية الذي أثار اعتراضات في الأوساط التجارية خلال الأيام الماضية.

أزمة اقتصاد لا أموال

من جانبه، يرى الباحث ورجل الأعمال رمضان البدران أن “المشكلة الأساسية في العراق اقتصادية قبل أن تكون مالية، لكن المعالجات الحكومية تركز باستمرار على الجانب المالي، من خلال البحث عن السيولة وتغطية الالتزامات وتسديد الديون، بدلاً من معالجة الأسباب التي جعلت الاقتصاد عاجزاً عن إنتاج موارد تكفي لتغطية احتياجات الدولة”.

ويضيف البدران أن “هناك فرقاً كبيراً بين إدارة الأموال وإدارة الاقتصاد، فالحكومة تنشغل بحساب الإيرادات والنفقات والبحث عن مصادر تمويل جديدة، بينما يفترض أن تكون الأولوية لتنشيط الإنتاج والاستثمار المحلي وتوفير فرص العمل، لأن استمرار الاعتماد على الحلول المالية السريعة سيعيد إنتاج الأزمات نفسها مهما تغيرت أرقام الموازنة أو أسعار الصرف”.

ويشير إلى أن “رفع الرسوم الكمركية والضرائب وأجور الطاقة في ظل الركود الاقتصادي يزيد الأعباء على النشاط التجاري والصناعي، في حين أن المطلوب هو تخفيف كلفة الإنتاج وحماية المستثمرين وتوجيه الموارد نحو القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة، بدلاً من التعامل مع الاستثمار باعتباره وسيلة لجلب الأموال فقط، دون النظر إلى ما يمكن أن يحققه من إنتاج وفرص عمل”.

موازنة تحت الضغط

وتضيف التقديرات الأولية لموازنة 2027 مزيداً من التعقيد إلى المشهد الاقتصادي، بعدما تحدث أعضاء في اللجنة المالية النيابية عن إنفاق قد يصل إلى 217 تريليون دينار، وعجز يقدر بنحو 50 تريليوناً، مع اعتماد سعر نفط يبلغ 58 دولاراً للبرميل وصادرات يومية بحدود أربعة ملايين برميل.

وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على تحقيق الإيرادات المخططة، ولاسيما في ظل اضطرابات تصدير النفط والتقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية، إذ إن عدم الوصول إلى الكميات التصديرية المفترضة قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات، ويفرض ضغوطاً إضافية على إدارة المالية العامة خلال العام المقبل.

وفي الجانب السياسي، أظهر قرار رفع سعر الصرف تبايناً بين مواقف بعض القوى المشاركة في الحكومة وخطاب ممثليها داخل البرلمان، بعدما أبدت أوساط نيابية اعتراضات على التعديل، وتحرك عدد من النواب لجمع التواقيع بهدف إلغاء القرار واستدعاء المسؤولين المعنيين، رغم صدوره عن مجلس الوزراء الذي تشارك في تشكيله قوى سياسية ممثلة في السلطة التشريعية.

ويعكس هذا التباين حساسية القرارات الاقتصادية التي تمس بصورة مباشرة القوة الشرائية للمواطنين، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من ارتفاع الأسعار وانعكاس التغيير النقدي على تكاليف المعيشة والنشاط التجاري.

أعباء إضافية

بدوره، يقول الخبير الاقتصادي عادل الدلفي إن “رفع سعر صرف الدولار بهذا التوقيت يضع الأسواق أمام ضغوط إضافية، خصوصاً أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة واسعة على السلع المستوردة، وبالتالي فإن أي زيادة في كلفة الحصول على الدولار ستنعكس تدريجياً على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، فيما ستكون الشرائح ذات الدخل المحدود والثابت الأكثر تأثراً بهذه الزيادات”.

ويضيف الدلفي أن “القرارات النقدية تحتاج إلى وضوح واستقرار وتوقيت مدروس، لأن التغييرات المفاجئة في سعر الصرف قد تؤثر على ثقة المتعاملين بالسياسة النقدية وتثير تساؤلات لدى المؤسسات المالية والمستثمرين بشأن القدرة على الحفاظ على استقرار العملة، ولاسيما عندما تأتي هذه الإجراءات لمعالجة ضغوط مالية دون أن ترافقها إصلاحات اقتصادية حقيقية تحد من الاعتماد على النفط والاستيراد”.

ويؤكد أن “معالجة العجز من خلال سعر الصرف قد توفر للحكومة متنفساً مالياً مؤقتاً، لكنها لا تمثل بديلاً عن مراجعة الإنفاق العام وتعزيز الإيرادات غير النفطية وتحسين بيئة الإنتاج، لأن الاستمرار في تحميل السياسة النقدية أعباء الاختلالات المالية قد يؤدي إلى تكرار المشكلة خلال السنوات المقبلة”.

وتضع هذه التطورات السياسة الاقتصادية العراقية أمام اختبار يتجاوز قرار تعديل سعر الصرف، إذ يرى مختصون أن استمرار الاعتماد على الإجراءات النقدية والاقتراض لتغطية الفجوات المالية، دون إصلاحات موازية في الإنفاق والإنتاج وتنويع الإيرادات، قد يوفر حلولاً مؤقتة دون معالجة جذور الأزمة، فيما ستكون موازنة 2027 المحطة الأبرز لقياس قدرة الحكومة على تحقيق التوازن المالي وتحويل التقديرات إلى موارد فعلية، دون تحميل الأسواق والمواطنين كلفة الاختلالات الاقتصادية المتراكمة.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد