
بقلم/ د. هاني عاشور
لا تكفي صورة المستقبل في ذهن الحالم بدولة مستقرة آمنة، من دون أن تكتمل بالتفكير والبحث عن أدوات بناء الدولة، فالحلم وحده لن يصبح حقيقة واقعة على الارض دون أدوات ترفع أعمدة البناء وبمختلف الوسائل والامكانات.
فالدولة التي ترسم صورة مستقبلها في ضوء التنوع حسب السياق الثقافي والتاريخي، تحتاج لأدوات تنفيذ متمكنة تحقق تلك الصورة، مستندة إلى حقيقة الدولة التي تقوم على السيادة والأمن، والعدل، وثوابت الاقتصاد، وبذلك يتحول المجتمع إلى كيان سياسي منظم ومستقر وقادر على أداء وظائفه الأساسية وتحقيق صورة المستقبل المرسومة في الإذهان وعادة ما تبدأ بالنظام الاداري الفعّال، من خلال اعتماد أجهزة حكومية دائمة ومنضبطة من وزارات و أجهزة محلية، وقوانين ثابتة ولا يتحقق ذلك إلا من خلال فصل السلطات أو تنظيمها تشريعية، تنفيذية، قضائية لضمان الاستمرارية، بغض النظر عن الأشخاص ومن غير تداخل في الصلاحيات لان هذا ما يصنع النظام، كما حدث تاريخياً في تأسيس أنظمة المدن أو الدول الحديثة.
فالدولة وحدها صاحبة الاحتكار الشرعي لأدوات السيطرة الأمن والقوة، أي الجيش والشرطة كأدوات للدفاع الخارجي والحفاظ على النظام الداخلي وفرض الهيبة والردع دون الاعتماد على الولاءات الشخصية فقط، أو التأييد السياسي من أحزاب أو شخصيات أو تجمعات.
في الدولة وأدوات بنائها لابد من صيانة وحماية الحقوق ومكافحة الفساد وتطبيق القانون مهما كانت النتائج، فالعدل أساس الملك والعمران فهو الذي يمنح الشرعية ويمنع الانهيار ويزيد ثقة المواطن بدولته وأدواتها التنفيذية والتشريعية.
ولكي يتحقق ذلك فإن ضمانة ثقة المواطن هو ضمان دوره في الاداء الاقتصادي، من خلال مساهمته في بناء اقتصاد منتج يمول الخدمات والإدار، وذلك يعتمد على ثروة البلد اضافة إلى نظام جبائي فعال لتمويل الدولة من ضرائب و موارد طبيعية وإدارة مالية موثوقة تكون سندا للمواطن في ضمان معيشته وسندا للدولة في ضمان مسؤوليتها، ولا يتحقق ذلك الا من خلال إعادة توزيع الموارد وتعزيز المواطنة الاقتصادية.
إن كل ذلك يعزز شعور المواطن بالانتماء وبالشرعية والهوية الجامعة في وطنه، وكل ذلك يتعزز من خلال بناء هوية وطنية مشتركة، من خلال التعليم والاعلام والثقافة والرموز والتاريخ أو العقيدة الجامعة التي تتجاوز الانتماءات الفرعية مناطقية أو دينية أو مذهبية.إن ما يعزز الهوية الوطنية عمليا هو شعور المواطن إن دولته تعتمد الاستثمار في الإنسان التعليم، الصحة، بناء القدرات البشرية ما يجعل الدولة قابلة للقراءة وقابلة للإدارة ومحط ثقة لدى المواطن، ولا يتحقق ذلك الا من خلال الحوكمة الرشيدة والإصلاح الإداري والشفافية والمتابعة لمنافذ الفساد واللامركزية عند الحاجة والتخطيط الاستراتيجي، والشراكات الدولية بحذر لتجنب الاعتماد المفرط الذي قد يهدد اقتصاد البلد وأمنه.
إن بناء الدولة عملية داخلية أساساً تعتمد على التفاعل بين الدولة والمجتمع، وليست مجرد استنساخ نماذج خارجية أو تنفيذ وصايا خارجية، بل هي تلبية الحاجة الوطنية لفكرة الدولة المستقرة ذات السيادة وان ذلك لا يتم إلا من خلال السعي المستمر، فالنجاح يعتمد على التدرج و التكيف مع الواقع المحلي والتركيز على الفعالية أكثر من الشكل، وهذه الفعالية مشتركة بين المواطن والحكومة.
ومن خلال هذه الأدوات المترابطة يمكن بناء الدولة بمعناها الحقيقي لا المسوّق اعلاميا، فبدون أمن لا تستقر المؤسسات، وبدون عدل واقتصاد تفقد الدولة الشرعية وتسير نحو نهايتها، وتختلف الأولويات حسب مرحلة الدولة من ناشئة إلى هشة لتصبح بعد ذلك دولة راسخة، لكن الجمع بين هذه الادوات هو ما يصنع دولاً مستدامة كما هي تجارب الدولة الحديثة المستقرة القوية ذات السيادة.