
“ايران هي واحدة من خمس دول فقط تلعب دور المحاور الاستراتيجية الأهم عالمياً” بريجنسكي.
لم يكن توجيه المرشد الأعلى مجتبى خامنئي لقادته العسكريين “بالرد الفوري والفاعل على أي تهديد، دون قيود جغرافية” مجرد تهديد عسكري لثني أمريكا عن عدم مهاجمة ايران، بل هو تجسيد للاستراتيجية الكبرى Grand Strategy التي طالما اتبعتها ايران على مدار 2500 سنة من تاريخها الحضاري. فعلى مدار التاريخ الفارسي كان الامتداد الى ما وراء الهضبة الإيرانية هو الإستراتيجية الحاكمة منذ زمن الإمبراطورية الإخمينية (550-350 ق.م) ، ثم الساسانية (224-651 م)، فالإمبراطورية الصفوية (1501-1722 م) وأخيراً الإمبراطورية الأفشارية (17361747 م). اذ يلاحظ ان بلاد فارس من بين اكثر بلدان العالم التي ظهرت فيها امبراطوريات توسعية. وفي الوقت الذي يتغزل فيه كابلان Caplan في كتابه انتقام الجغرافيا بعظمة وأهمية ونعمة الجغرافيا الإيرانية التي تتيح لها امتصاص ودحر أي عدوان عسكري عليها فأنه مثل كثير من المفكرين الجيوسياسيين أشر بوضوح نقمة تلك الجغرافيا التي لا تتيح سوى مساحة محدودة للعيش مع موارد مائية شحيحة وعدد سكان كبير يتركز معظمه في الجانب الغربي لإيران وعلى اطراف الحدود في حين ان الهضبة الوسطى تتكون من مسطحات ملحية. ولذلك فان أي اندفاع عسكري من حدود ايران الغربية او الشمالية (عبر سهل العراق او أذربيجان) سيسمح بالوصول بسرعة الى مدن إيرانية رئيسة. ومما يزيد الموقف تعقيداً وصعوبةً هو ان معظم سكان حدود ايران هم من غير الفرس وكثير منهم لديه نزعات انفصالية.
لذلك صاغ الحرس الثوري الإيراني استراتيجيته العسكرية عام 1992 معتمداً على نقطتين رئيستين:1) الدفاع المتقدم. أي الدفاع عن إيران خارج حدودها وعدم انتظار العدو كما حصل مع العراق في 1980. 2) العمق الإستراتيجي. اي انشاء خطوط دفاع متقدمة (مثلاً في لبنان وسوريا والعراق واليمن).
وهنا نتذكر توجيه المرشد الإيراني السابق السيد علي الخامنئي في 2 اوكتوبر 2019 والذي نصه ” لا تغفلوا عن جغرافيا المقاومة الواسعة. لا تغفلوا عن هذا المنظور العابر للحدود. يجب ان لا نكتفي بمنطقتنا المباشرة…
هذا الامتداد للعمق الإستراتيجي اكثر أهمية احياناً من اشد الاهتمامات الداخلية الحاحاً”.
وبما ان هذين المبدأين الإستراتيجيَين تم خرقهما في الحرب (الأميركية-الإسرائيلية) من خلال الهجوم المباشر على العمق الإيراني فقد طوّر الإيرانيون من استراتيجيتهم كما يبدو بعد توجيهات السيد مجتبى يوم أمس لقادته العسكريين لتشمل مبدئاً ثالثاً يتمثل في الهجوم -وليس فقط الدفاع- خارج الحدود الإيرانية.
هكذا يجب فهم كيفية تسخير العقيدة الدينية لخدمة الاستراتيجية الإيرانية الكبرى. فالدين عابر للحدود ولا يعترف بها. فدولة الدين لا تعترف بالجغرافيا وإنما الآيدلوجيا. وتجعل من الأوطان تابعة للعقيدة وبالتالي تسّهّل وتشرعن إقامة مناطق دفاعية متقدمة خارج ايران، فضلاً عن تبريرها الديني لضرب او مهاجمة الدول التي تقع خارج دار العقيدة.
وهكذا يتم تطوير سردية عقائدية تبريرية تخدم الإستراتيجية الكبرى للدفاع عن إيران، بأختصار فأن الجغرافيا الإيرانية ما زالت تفرض حتميتها على القرار الإستراتيجي الإيراني وسياستها الخارجية منذ آلاف السنين. الجديد هو ان حكام ايران الحاليين اجادوا استثمار الدين والعقيدة لتبرير الإستراتيجية التوسعية التي لا بد منها للدفاع عن النواة الجغرافية Geographical core لإيران.
نقلاً عن موقع الدكتور منقذ داغر