
بغداد – إيجاز
لم يكن إعلان الحزب الديمقراطي الكردستاني تكليف عضو مكتبه السياسي، هوشيار زيباري، بقيادة مركز الحزب في بغداد حدثاً تنظيمياً عادياً، بل عكس حجم الهزائم التي تواجه الحزب في علاقته مع الحكومة الاتحادية، بعد سلسلة من الملفات التي شهدت تراجعاً في قدرة أربيل على فرض رؤيتها، وفي مقدمتها النفط والرواتب وإدارة الموارد المالية.
وجاء إعلان زيباري، متضمناً رسائل متعددة، أبرزها تأكيد دعم حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي في ملفات مكافحة الفساد والإصلاح، والاستعداد للتعاون مع بغداد في القضايا المشتركة، فضلاً عن الإشادة بحملة “صولة الفجر” التي وصفها بأنها تمثل أول تحرك عملي واسع ضد الفساد.
ويرى مراقبون أن هذه الرسائل تعكس تحولاً في خطاب الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي وجد نفسه خلال الأشهر الأخيرة أمام معادلات جديدة فرضتها الحكومة الاتحادية، سواء في ملف تصدير النفط أو آليات تمويل رواتب موظفي الإقليم، إضافة إلى توسع حضور المؤسسات الاتحادية في ملفات مالية وإدارية كانت تُدار سابقاً من قبل سلطات الإقليم.
ويشير هؤلاء إلى أن أزمة تصدير النفط مثلت واحدة من أكبر الانتكاسات التي واجهها الحزب خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحول الملف تدريجياً من ورقة قوة تمتلكها أربيل إلى قضية تخضع بصورة متزايدة لإدارة الحكومة الاتحادية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الإيرادات العامة وأزمة الرواتب التي لا تزال تلقي بظلالها على الإقليم.
كما أن تطبيق الأنظمة الجمركية والإدارية الاتحادية في عدد من المنافذ، ومنها نظام “أسيكودا”، عزز من حضور بغداد في إدارة الملف المالي، ضمن توجه حكومي يهدف إلى توحيد الإجراءات المالية والجمركية، وهو ما عدّه مراقبون تقليصاً للهامش الذي كانت تتمتع به سلطات الإقليم في إدارة هذه الملفات.
وفي الجانب السياسي، تزامنت هذه التطورات مع متغيرات إقليمية ودولية دفعت باتجاه تعزيز سلطة الحكومة الاتحادية، ولا سيما في الملفات الاقتصادية والأمنية، وهو ما جعل الحزب الديمقراطي أمام واقع مختلف عما كان عليه خلال السنوات الماضية.
ويعتقد متابعون أن الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يوفق في اختيار هوشيار زيباري لقيادة حضوره في بغداد، إذ عاد بواحدة من أكثر شخصياته إثارةً للجدل في العاصمة، رغم سلسلة الإخفاقات السياسية التي ارتبطت باسمه خلال السنوات الماضية، من إقالته من وزارة المالية، إلى استبعاده من سباق رئاسة الجمهورية، فضلاً عن علاقاته المتوترة مع عدد من القوى السياسية، وهو ما يجعل المهمة الجديدة أكثر تعقيداً من أن تعالجها مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل الحزب.
ففي عام 2016 صوّت مجلس النواب على سحب الثقة من زيباري من منصب وزير المالية، على خلفية اتهامات تتعلق بإدارة المال العام، بينما اعتبر هو أن القرار كان ذا دوافع سياسية ونفى ارتكاب أي مخالفة.
كما عاد اسمه إلى الواجهة عام 2022 عندما رشحه الحزب الديمقراطي الكردستاني لمنصب رئيس الجمهورية، قبل أن تقرر المحكمة الاتحادية استبعاده من السباق، استناداً إلى وجود دعاوى وقضايا تتعلق بالنزاهة، وهو قرار أنهى عملياً فرصة الحزب في تمرير مرشحه لذلك المنصب.
ويشير مراقبون إلى أن هذه الخلفية تجعل مهمة زيباري في بغداد أكثر تعقيداً، خصوصاً أن علاقاته مع عدد من القوى السياسية ليست في أفضل حالاتها نتيجة مواقفه الحادة خلال السنوات الماضية، فضلاً عن طبيعة الاستقطاب السياسي الذي يحيط بملفات النفط والعلاقة بين بغداد وأربيل.
وفي مقابل هذه التحديات، حاول زيباري إرسال إشارات إيجابية خلال ظهوره الإعلامي، إذ أكد دعم حزبه لحملة مكافحة الفساد، وأشاد بخطوات حكومة الزيدي، كما تحدث عن وجود استعداد لدى إقليم كردستان للتعاون مع بغداد في ملاحقة الفاسدين، واعتبر أن زيارة رئيس الوزراء المرتقبة إلى واشنطن ستكون محطة مهمة لمناقشة ملفات الإصلاح والسيادة والاقتصاد.
ويرى محللون أن هذا الخطاب يختلف عن نبرة سادت في مراحل سابقة، ويعكس محاولة من الحزب لإعادة التموضع سياسياً بعد تراجع نفوذه في عدد من الملفات الاتحادية، ومحاولة فتح صفحة أكثر هدوءاً مع بغداد في ظل موازين قوى جديدة.
وبينما يقدم الحزب هذه الخطوة بوصفها تعزيزاً لحضوره السياسي في العاصمة، يعتقد مراقبون أنها تمثل أيضاً محاولة لاستعادة جزء من النفوذ الذي تراجع خلال الفترة الماضية، في وقت أصبحت فيه الحكومة الاتحادية اللاعب الأكثر تأثيراً في ملفات النفط والمالية والإدارة، وهي ملفات كانت لعقود تشكل أبرز أوراق قوة الحزب الديمقراطي الكردستاني في علاقته مع بغداد.