آخر الأخبار

من التحديات إلى الفرص.. هل بدأ العراق إعادة ترتيب أوراق ما بعد 2003؟

اثير الشرع ..

بعد مئة يوم على تولي علي فالح الزيدي رئاسة الحكومة، اليوم ربما يكون السؤال الأهم ليس: ماذا أنجز الزيدي خلال مئة يوم؟ بل: هل إستطاع أن يحوّل التحديات التي وجدها أمامه إلى فرص لإعادة بناء الدولة؟ الزيدي لم يستلم عراقاً مستقراً ينتظر حكومة تدير شؤونه، وإنما أستلم ملفات متراكمة ومتشابكة: إقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، تحديات مالية، أزمة تصدير، سلاح خارج الإطار الرسمي، فساد، بطالة، أزمة كهرباء ومياه، إلى جانب بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، وأشارت قراءات حصيلة المئة يوم إلى أن هذه الملفات كانت في صدارة إختبار الحكومة، لكن التحديات الكبيرة يمكن أن تكون، في الوقت نفسه، فرصاً كبيرة.

الضغط الإقتصادي يمكن أن يصبح فرصة لإعادة بناء الإقتصاد على أساس الإنتاج والإستثمار بدلاً من الإقتصاد الريعي؛ والضغط الأمني يمكن أن يتحول إلى فرصة لترسيخ مفهوم الدولة وإحتكارها للسلاح، كذلك التحديات الإقليمية يمكن أن تدفع العراق إلى بناء سياسة خارجية أكثر توازناً، تجعل من بغداد جسراً بين الأطراف بدلاً من أن تكون ساحة صراع بينها، وهنا تكمن أهمية ما يطرحه الزيدي في هذه المرحلة.

عندما تتحدث الحكومة عن دعم القطاع الخاص، وعن صندوق تنمية برأسمال يصل إلى 100 مليار دولار، وعن زيادة صادرات النفط لتصل إلى أكثر من ٧ ملايين ب/ي وفتح منافذ تصدير جديدة، عبر سوريا والأردن وعن مشاريع سكنية واسعة، فهي لا تتحدث فقط عن إجراءات خدمية، وإنما تطرح (إذا تحولت إلى واقع) محاولة لتغيير النموذج الإقتصادي العراقي.

أما في الملف الأمني، فإن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة ووضع آليات لتسليمه، مع التأكيد على عدم الذهاب إلى صِدام داخلي، فهو إختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية؛ والنجاح هنا لن يقاس بالتصريحات، وإنما بقدرة الدولة على تحويل مبدأ “السلاح بيد الدولة” من شعار سياسي إلى قاعدة فعلية، لكن السؤال الأكبر يبقى سياسياً:
هل تستطيع الطبقة السياسية أن تنتقل من مرحلة المكاسب الخاصة إلى مرحلة المصلحة الوطنية؟

منذ 2003، تراكمت لدى القوى السياسية مكتسبات كثيرة؛ بعضها سياسي، وبعضها إقتصادي، وبعضها مرتبط بالنفوذ والمواقع والإمتيازات، وفي كثير من المراحل، كان الصراع يدور حول حصة هذا الطرف أو ذاك أكثر مما كان يدور حول شكل الدولة ومستقبلها، واليوم، يبدو أن الظروف تغيرت، المنطقة تغيرت، والعلاقة بين القوى الدولية والإقليمية تغيرت، والإقتصاد العراقي أصبح أكثر عرضة لتداعيات الصراعات الخارجية، فيما باتت قضية السيادة والسلاح والقرار الوطني جزءاً من معادلة العراق الداخلية والخارجية في آن واحد.

هنا قد تكون المفارقة:
التحديات الخارجية ربما تكون هي التي تدفع القوى السياسية العراقية، طوعاً أو إضطراراً، إلى إعادة ترتيب أوراقها الداخلية، فما كان ممكناً قبل سنوات قد لا يكون ممكناً اليوم، وما كان مقبولاً بإعتباره توازناً سياسياً قد يصبح، تحت ضغط المتغيرات الإقليمية والدولية، عبئاً على الدولة نفسها.

إنطلاقاً مما ذكرنا في أعلاه يمكن أن نفهم مشروع الزيدي بصورة أوسع من مجرد برنامج حكومي، فإذا نجح في تحويل الضغط المالي إلى إصلاح إقتصادي، والضغط الأمني إلى تعزيز لسلطة الدولة، والتنافس الإقليمي إلى سياسة خارجية متوازنة، والموارد النفطية إلى قاعدة لتنمية مستدامة، فإنه لن يكون قد أدار مئة يوم من عمر الحكومة فقط، بل يكون قد بدأ بتغيير قواعد إدارة الدولة العراقية، لكن ! النجاح ليس مضموناً.

أكبر عقبة أمام أي تغيير حقيقي ليست دائماً المعارضة السياسية، وإنما مقاومة النظام القديم للتغيير من داخله، وكل إصلاح يمس المصالح المتراكمة سيجد من يدافع عن الوضع القائم، حتى لو كان ذلك الوضع لم يعد صالحاً للعراق، لذلك فإن السؤال الحقيقي أمام الزيدي ليس: هل يستطيع تغيير العراق خلال عام أو عامين؟ بل: هل يستطيع أن يخلق توافقاً سياسياً على أن بقاء العراق بصيغته السابقة لم يعد ممكناً؟ إذا إستطاع ذلك، فقد نكون أمام بداية مرحلة جديدة.

والمرحلة الجديدة لا يكون فيها السؤال: من حصل على ماذا بعد 2003؟ بل: ماذا سنبني للعراق بعد 2003؟ وهنا نصل إلى السؤال الأكثر جرأة:
هل حان الوقت فعلاً لإعادة ترتيب أوراق العراق السياسية التي تشكلت بعد سقوط نظام البعث؟ ربما نعم. ليس بمعنى إلغاء القوى السياسية أو محو الماضي، وإنما بمعنى الإنتقال من مرحلة إدارة توازنات ما بعد 2003 إلى مرحلة بناء دولة ما بعد 2003.

فالفرق كبير بين أن تتعايش الدولة مع أزمات النظام السياسي، وبين أن تعيد إنتاج نظام سياسي قادر على حماية الدولة، وإذا إستطاع علي فالح الزيدي أن يحوّل التحديات الإستثنائية التي تحيط بالعراق إلى فرص للإصلاح، فقد تكون المئة يوم الأولى مجرد بداية، أما إذا بقيت المشاريع مجرد عناوين، وبقيت القرارات رهينة التوافقات والمصالح القديمة، فإن التحديات ستتحول من فرص إلى أزمات جديدة.

العراق اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تعيد القوى السياسية ترتيب أوراقها بما ينسجم مع عراق جديد، أو أن تعيد الأزمات ترتيب هذه الأوراق نيابةً عنها، وهذه ربما تكون المعركة الحقيقية للزيدي وللعراق كله.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد