آخر الأخبار

سلاح البيشمركة مطلوب للدولة.. مطالبات بتوسيع حملة “حصر السلاح”

بغداد – إيجاز
عاد ملف سلاح قوات البيشمركة إلى واجهة الجدل السياسي في العراق، بالتزامن مع تصاعد مسار حصر السلاح بيد الدولة، وسط مطالبات سياسية وإعلامية بأن لا يقتصر المشروع على الفصائل المسلحة، وأن يشمل جميع التشكيلات العسكرية التي لا ترتبط بشكل مباشر بالقيادة الاتحادية في بغداد، وفي مقدمتها قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان، ما يفتح باباً جديداً للنقاش بشأن حدود الصلاحيات الأمنية في النظام الفيدرالي العراقي

وتأتي هذه المطالبات في وقت بدأت فيه الحكومة العراقية فعلياً إجراءات حصر السلاح، فيما أكد نائب قائد العمليات المشتركة الفريق أول الركن قيس المحمداوي أن المشروع الحالي يستهدف فصائل الحشد الشعبي، بهدف الوصول إلى تشكيلات أمنية وطنية ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة وتعمل ضمن الأطر الرسمية للدولة، وهو ما دفع أطرافاً سياسية إلى طرح سؤال موازٍ بشأن وضع القوات المسلحة في إقليم كردستان ومدى خضوعها هي الأخرى لمبدأ وحدة القرار العسكري العراقي.

ويستند أصحاب هذا الطرح إلى مبدأ دستوري واضح يتعلق بحصرية السلاح والقرار الأمني، إذ تنص المادة التاسعة من الدستور العراقي على حظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، فيما تنص المادة 121 خامساً على منح الأقاليم صلاحية إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي وحرس الإقليم، وهو ما يجعل ملف البيشمركة أكثر تعقيداً من ملف الفصائل المسلحة، كونها تتمتع بسند دستوري ضمن النظام الاتحادي، لكنها في الوقت ذاته لا تخضع بالكامل لقيادة عسكرية اتحادية واحدة في بغداد.

وتبرز هنا واحدة من أبرز الإشكالات التي تواجه مشروع حصر السلاح، إذ لا يتعلق النقاش فقط بعدد البنادق أو الدبابات أو المدفعية الموجودة لدى أي تشكيل، وإنما بالجهة التي تمتلك القرار النهائي باستخدام القوة، خصوصاً أن تقارير أمريكية حديثة أشارت إلى استمرار وجود إشكالات في توحيد قوات البيشمركة، مع بقاء انقسام في هيكل القيادة والسيطرة بسبب عدم اكتمال تشكيل قيادات المناطق، وهو ما يحد من قدرة وزارة شؤون البيشمركة على فرض قيادة عملياتية موحدة على جميع الوحدات.

وفي المقابل، تؤكد حكومة إقليم كردستان أن عملية توحيد وإصلاح قوات البيشمركة مستمرة، إذ أعلنت في وقت سابق المضي بإعادة هيكلة القوات وتوحيد الوحدات الحسابية ونقل تشكيلات عسكرية إلى وزارة شؤون البيشمركة، كما أكدت أن البيشمركة جزء من المنظومة الدفاعية للعراق وفق رؤيتها الدستورية، وطالبت بغداد بمساواة رواتب منتسبيها ومخصصاتهم مع أقرانهم في الجيش العراقي.

لكن هذا المسار لم ينهِ الجدل بشأن وجود تشكيلات لا تزال مرتبطة تاريخياً بالحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، رغم خطوات دمج وإعادة تنظيم القوات، إذ تشير تقارير إلى دمج ألوية ضمن فرق عسكرية نظامية، مقابل استمرار أجزاء أخرى من القوات ضمن تشكيلات مرتبطة بنفوذ الحزبين الرئيسين في الإقليم، ما يبقي سؤال القيادة والسيطرة مطروحاً أمام أي مشروع عراقي شامل لإعادة تنظيم السلاح.

وتقول قراءات سياسية عراقية إن إدخال البيشمركة في ملف حصر السلاح لا يعني بالضرورة المطالبة بحلها أو نزع أسلحتها، وإنما يتركز الجدل على ضرورة توحيد القرار العسكري، ومنع وجود أي قوة مسلحة تمتلك قراراً مستقلاً عن المؤسسات الرسمية، خصوصاً أن الهدف المعلن من مشروع حصر السلاح هو إنهاء تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري داخل البلاد

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن استمرار استثناء البيشمركة من النقاش بشأن حصر السلاح قد يمنح الفصائل الرافضة للمشروع ذريعة للقول بوجود معايير مزدوجة في التعامل مع القوى المسلحة، وهو ما ظهر بالفعل في خطاب سياسي وإعلامي خلال الأشهر الماضية، إذ طرحت جهات عراقية سؤالاً مباشراً مفاده أن حصرية السلاح ينبغي أن تكون مبدأً عاماً لا يقتصر على طرف دون آخر.

وبينما تتمسك أربيل بالخصوصية الدستورية لقوات البيشمركة، وتؤكد أن وضعها يختلف قانونياً عن الفصائل المسلحة، فإن استمرار الانقسام في بعض هياكل القيادة والتبعية الحزبية داخل القوات يجعل ملف توحيدها وإخضاع قرارها العسكري لمؤسسات الدولة الإقليمية أولاً، ثم تنسيقها مع المنظومة الدفاعية الاتحادية، أحد الملفات التي قد تعود بقوة إلى طاولة بغداد وأربيل، خصوصاً مع اقتراب العراق من مرحلة جديدة عنوانها إنهاء تعدد القوى المسلحة وتكريس مبدأ الدولة صاحبة القرار الأمني والعسكري الوحيد

وبذلك، لا يبدو أن معركة حصر السلاح في العراق ستتوقف عند الفصائل المسلحة، فمع تقدم المشروع الحكومي قد يتحول السؤال من «من يسلم سلاحه؟» إلى «من يملك قرار استخدام السلاح؟»، وعندها ستكون البيشمركة أمام اختبار يتعلق بمدى اكتمال توحيدها مؤسسياً، وقدرة بغداد وأربيل على صياغة ترتيبات أمنية تحافظ على الخصوصية الدستورية للإقليم، وفي الوقت نفسه تمنع تحول الفيدرالية إلى تعدد في مراكز القرار العسكري داخل الدولة العراقية.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد