آخر الأخبار

إعلام المليارات في كردستان.. كيف ابتلع النفوذ الحزبي صوت الصحافة المستقلة؟

بغداد – إيجاز

في إقليم كردستان الذي يضم نحو 1700 وسيلة إعلامية بين قنوات فضائية وإذاعات وصحف ومواقع إلكترونية، تبدو الأرقام للوهلة الأولى مؤشراً على مشهد إعلامي واسع ومتنوع. لكن خلف هذا العدد الكبير تبرز تساؤلات متزايدة بشأن استقلالية وسائل الإعلام وطبيعة مصادر تمويلها ومدى قدرتها على ممارسة دورها الرقابي بعيداً عن نفوذ القوى السياسية والاقتصادية النافذة.

وتشير تقديرات إعلامية وحكومية غير رسمية إلى أن أكثر من 90 بالمئة من وسائل الإعلام العاملة في الإقليم ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بجهات سياسية، الأمر الذي جعل الصحافة المستقلة تواجه تحديات متزايدة في البقاء والاستمرار. فبينما توسعت المؤسسات الإعلامية الكبرى خلال السنوات الماضية، أغلقت العديد من المنصات المستقلة أبوابها أو تقلص نشاطها بسبب ضعف التمويل وصعوبة المنافسة في سوق تسيطر عليه مؤسسات تملك إمكانات مالية ضخمة.

ويبرز الحزب الديمقراطي الكردستاني بوصفه الجهة الأكثر حضوراً في المشهد الإعلامي من حيث عدد المؤسسات والمنصات المرتبطة به أو القريبة منه. فبحسب البيانات الواردة، يمتلك الحزب عدداً من أبرز القنوات الفضائية الكردية وأكثرها انتشاراً، إضافة إلى قنوات محلية وإذاعات ومواقع إلكترونية وصفحات رقمية واسعة التأثير، ما يمنحه قدرة كبيرة على توجيه الخطاب الإعلامي وصياغة الرواية السياسية في العديد من القضايا العامة.

ولا يقتصر النفوذ على عدد المؤسسات فحسب، بل يمتد إلى حجم الإنفاق المالي المخصص للقطاع الإعلامي. فوفق تقديرات عن مصادر إعلامية متعددة، تتراوح ميزانيات بعض القنوات الفضائية الكبرى بين 20 و40 مليون دولار سنوياً، بينما تنفق قنوات أخرى ما بين مليون ونصف المليون وثلاثة ملايين دولار شهرياً على التشغيل والإنتاج والرواتب والبنية التقنية. كما تشير التقديرات إلى أن بعض الإعلاميين ومقدمي البرامج يحصلون على رواتب تتراوح بين ألفي دولار وسبعة آلاف دولار شهرياً، وقد تتجاوز ذلك في بعض الحالات.

وتثير هذه الأرقام تساؤلات إضافية حول مصادر التمويل، خصوصاً أن إقليم كردستان يعيش منذ عام 2013 أزمات مالية متلاحقة انعكست على رواتب الموظفين والخدمات العامة والإنفاق الحكومي. فعلى الرغم من تأخر صرف الرواتب في العديد من السنوات وتفاقم الخلافات المالية مع بغداد، استمرت المؤسسات الإعلامية الكبرى في التوسع وافتتاح منصات جديدة واستقطاب إعلاميين برواتب مرتفعة، وهو ما دفع العديد من الصحفيين والباحثين إلى المطالبة بمزيد من الشفافية والإفصاح عن مصادر الأموال التي تمول هذه المؤسسات.

كما تشير تقارير إلى غياب قاعدة بيانات رسمية واضحة تحدد حجم الإعلام الحزبي بصورة دقيقة، إذ إن معظم المؤسسات الإعلامية تسجل نفسها بوصفها مؤسسات مستقلة عند الحصول على التراخيص، ما يجعل من الصعب معرفة حجم الارتباطات السياسية والمالية الحقيقية خلفها. وفي الوقت نفسه، لا توجد تقارير مالية معلنة توضح حجم الإنفاق أو مصادر الإيرادات أو طبيعة الجهات الممولة لهذه المنصات.

وفي مقابل هذا التوسع، يواجه الصحفيون العاملون خارج المنظومة الحزبية ظروفاً مختلفة تماماً. فبحسب شهادات، يحصل بعض العاملين في المؤسسات المستقلة على رواتب متواضعة لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات شهرياً، فيما تعاني مؤسسات عديدة من صعوبات في دفع الرواتب بشكل منتظم بسبب ضعف الإعلانات وغياب الدعم المالي.

ويرى مراقبون أن الأزمة لا تتعلق فقط بالتمويل، بل بطبيعة الدور الذي يؤديه الإعلام داخل الإقليم. فبدلاً من أن يكون وسيلة لمراقبة الأداء الحكومي وكشف ملفات الفساد ومحاسبة المسؤولين، بات جزء كبير من المشهد الإعلامي منشغلاً بالصراعات السياسية والترويج للخطابات الحزبية والدفاع عن مواقف الجهات الممولة له.

ومع تراجع عدد المؤسسات المستقلة، تقلصت المساحات المتاحة للصحافة الاستقصائية وللأصوات الناقدة التي تحاول تناول ملفات الفساد أو سوء الإدارة أو القضايا المرتبطة بالحريات العامة.

ويسيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني على الجزء الأكبر من الفضاء الإعلامي في إقليم كردستان، مستنداً إلى شبكة واسعة من القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية والمواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية التي تمتلك تأثيراً كبيراً على الرأي العام. وفي المقابل، تتحدث تقارير صادرة عن منظمات معنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان بشكل متكرر عن تعرض صحافيين وناشطين للملاحقة أو الاحتجاز أو المحاكمات على خلفية عملهم الإعلامي أو انتقاداتهم للسلطات، الأمر الذي أثار انتقادات بشأن واقع الحريات الإعلامية في الإقليم.

ويرى مراقبون أن اتساع نفوذ المؤسسات المرتبطة بمراكز القرار السياسي، مقابل تراجع المنصات المستقلة، خلق بيئة إعلامية غير متوازنة باتت فيها الأصوات الناقدة تواجه تحديات متزايدة في الوصول إلى الجمهور أو العمل بحرية.

وتكشف الأرقام الواردة في تقارير متعددة حجم الفجوة بين الإعلام الحزبي والإعلام المستقل، فبينما تمتلك بعض القنوات مكاتب ومراسلين داخل العراق وخارجه وتعمل بميزانيات تصل إلى عشرات ملايين الدولارات، تكافح مؤسسات أخرى للبقاء بموارد محدودة للغاية. كما أن غياب الشفافية المالية واستمرار توسع المؤسسات المرتبطة بالقوى النافذة يثيران مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعددية الإعلامية وإمكانية الحفاظ على صحافة مستقلة قادرة على أداء دورها المهني بعيداً عن نفوذ المال السياسي.

وبين 1700 وسيلة إعلامية وعشرات ملايين الدولارات التي تضخ سنوياً في القطاع، يبقى السؤال الأبرز متعلقاً بمدى قدرة الإعلام في إقليم كردستان على استعادة دوره كسلطة رقابية مستقلة، في ظل هيمنة المؤسسات المرتبطة بمراكز النفوذ السياسي والاقتصادي على الجزء الأكبر من المشهد الإعلامي.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد