آخر الأخبار

الديمقراطية العراقية بين الواقع والطموح

رأي و موقف
بقلم/

    بقلم/ شاكر محمود تركي

    شهد العراق خلال العهد الملكي قبل 14 تموز1958 تجربة سياسية اتسمت بوجود مؤسسات دستورية وبرلمان وانتخابات واحزاب سياسية وصحافة نشطة نسبيا” مقارنة بالعديد من دول المنطقة انذاك.

    وقد اتاح النظام الملكي قدرا” من المشاركة السياسية والتداول البرلماني، الا ان هذه الديمقراطية كانت محدودة بسبب تأثير النخب السياسية والطبقات الاجتماعية النافذة فضلا” عن تدخل السلطة التنفيذية في بعض اجزاء العملية الانتخابية، مما جعلها ديمقراطية غير مكتملة وهجينة رغم وجود اسسس دستورية واضحة.

    ومنذ عام 2003 دخل العراق تجربة ديمقراطية جديدة وغريبة (وهو في الواقع غير مستعد لها ) وملامحها ملبدة بالغيوم، وكان يفترض ان تفتح ابواب الاستقرار والتنمية وبناء الدولة الحديثة الا ان هذه الديمقراطية اتخذت مسارا” مختلفا” جعلها تبدو في كثير من الاحيان حالة فريدة يصعب تصنيفها ضمن النماذج الديمقراطية المعروفة في العالم. غرابة الديمقراطية العراقية لا تمكن في وجود الانتخابات او تعدد الاحزاب بل في التناقضات التي ترافقها، ففي كل دورة انتخابية ترتفع الشعارات نفسها التي تدعو الى الاصلاح والتغيير لكن الوجوه السياسية المألوفة غالبا” ما تعود الى المشهد من جديد. المواطن يذهب الى صندوق الاقتراع املا” بالتغيير ثم يجد نفسه امام معادلات سياسية معقدة تعيد انتاج الواقع ذاته.

    ومن المفارقات ان الخلافات السياسية الحادة لا تمنع القوى المتنافسة من الجلوس الى طاولة واحدة عندما تقتضي المصالح ذلك، فالخصوم في النهار قد يصبحون حلفاء في الليل والحلفاء قد يتحولون الى خصوم في اليوم التالي، وهكذا اصبحت التحالفات السياسية اشبه بأحوال الطقس تتغير بسرعة يصعب على المواطن العادي متابعتها. كما ان غالبية القوى الممثلة في البرلمان تصبح جزءا”من التشكيلة الحكومية، فتتراجع الحدود الفاصلة بين السلطة والمعارضة الامر الذي يضعف الدور الرقابي للبرلمان ويحد من فعالية المساءلة السياسية وهي من الركائز الاساسية للتجارب الديمقراطية العريقة.ليصبح الجميع في مركب واحد وان اختلفت مسمياتهم وطوافئهم واحزابهم وتوجهاتهم الفكرية والايدولوجية.

    كما ان الديمقراطية العراقية افرزت ظاهرة اخرى تتمثل في قوة الانتماءات الفرعية على حساب مفهوم المواطنة (بل وصل الامر في بعض الاحيان ان هذه الانتماءات الفرعية قد تجزئت الى فروع اصغرمن تلك التجمعات). فكثيرا” ما تحسم المواقف السياسية وفق اعتبارات طائفية او قومية او حزبية بدلا” من البرامج والخطط التنموية الامر الذي اضعف ثقة الجمهور بالعملية السياسية.

    وعند المقارنة بين المرحلتين الديمقراطيتين في العهد الملكي وديمقراطية المرحلة الحالية يمكن القول ان العهد الملكي تميز بوجود مؤسسات دستورية اكثر استقرارا” وعدد اقل من القوى السياسية المتنافسة، بينما يتميز النظام الحالي بقاعدة مشاركة اوسع وتمثيل اكبر لمختلف مكونات المجتمع. الا ان نجاح اي تجربة ديمقراطية لا يقاس فقط بوجود الانتخابات بل بقدرتها على تحقيق العدالة وسيادة القانون وتقديم الخدمات وتعزيز روح المواطنة (وهذه النقاط تشوبها في وضعنا الحالي الكثير من العيوب والنقاط السلبية التي ما زالت متأصلة فيها)، لذلك تبقى الديمقراطية العراقية وفي كلا العهدين تجربة تحمل جوانب ايجابية واخرى تحتاج الى مراجعة وتطوير، ورغم كل التحديات تبقى الديمقراطية العراقية تجربة مستمرة قابلة للتطور فوجود حرية التعبير وتداول السلطة عبر الانتخابات وقدرة المواطن على انتقاد المسؤولين علنا”، كلها مكاسب لا يمكن تجاهلها وفي الامكان البناء عليها مستقبلا”، غير ان نجاح هذه التجربة يتطلب ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وتعزيز ثقافة المواطنة وربط العمل السياسي بخدمة الناس لا بخدمة المصالح الفئوية والحزبية والعائلية الضيقة.

    ان الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع بل هي منظومة قيم وسلوك ومؤسسات وعندما تكتمل هذه العناصر يمكن للعراق ان يحول ديمقراطيته من حالة غريبة وهجينة ومثيرة للجدل بلا طعم ولون الى نموذج ناجح يليق بتأريخ البلد وامكانياته.

    ان نجاح الديمقراطية العراقية وحسب واقعها ومتطلباتها ومسمياتها لا ترتبط بالنصوص الدستورية وحدها، بل بقدرة المؤسسات والمواطنين على ترسيخ قيم المواطنة وسيادة القانون وتغليب المصلحة العامةعلى مصلحة الفئة، وعندما تكتمل هذه المقومات وتترسخ الممارسة الديمقراطية السليمة يمكن للعراق ان يحقق ما يصبو اليه من استقرار وتقدم ورقي.

    شارك المقال عبر

    تغطية مستمرة

    المزيد