آخر الأخبار

بلد النفط يقف في طابور البنزين.. 5 ملايين لتر يومياً تكشف فجوة الاكتفاء العراقي

بغداد- إيجاز
واجهت بغداد وعدد من المحافظات العراقية موجة جديدة من شح البنزين خلال الأيام الأخيرة، دفعت بعض محطات الوقود إلى التوقف عن التجهيز وأعادت الازدحام إلى المحطات العاملة بعد فترة قصيرة من أزمة مماثلة، في مؤشر على استمرار هشاشة إمدادات الوقود وقدرة السوق على مواجهة أي اضطراب طارئ. وتأتي الأزمة في وقت تكشف فيه بيانات رسمية عن فجوة تقدر بنحو خمسة ملايين لتر يومياً بين الإنتاج المحلي وحاجة الاستهلاك، يجرى تعويضها بالاستيراد، ما جعل تأخر الشحنات بفعل التوترات الإقليمية ومخاطر الملاحة في مضيق هرمز ينعكس سريعاً على التجهيز.


وبينما تتفاوت تداعيات الشح بين المحافظات، تفتح الأزمة مجدداً ملف قدرة قطاع التكرير العراقي على سد الطلب المتزايد وتحقيق الاكتفاء، في بلد يعد من كبار منتجي النفط، لكنه لا يزال يعتمد على الخارج لتغطية جزء من حاجته إلى البنزين.

فجوة بين الإنتاج والاستهلاك

أكد المتحدث باسم وزارة النفط العراقية سليم الركابي أن الضغوط التي تشهدها سوق البنزين حالياً تعود إلى تزامن ارتفاع الطلب المحلي مع تأثر انتظام الإمدادات الخارجية، مبيناً أن الوزارة تعمل على معالجة الاختلال بين الكميات المنتجة محلياً وحاجة السوق من خلال إجراءات آنية وأخرى تستهدف إنهاء الاعتماد على الاستيراد.

وقال الركابي، إن استهلاك البنزين خلال فترات الذروة الصيفية يصل إلى نحو 35 مليون لتر يومياً، في حين تقدر الكميات التي تحتاج السوق إلى تغطيتها من خارج الإنتاج المحلي بنحو خمسة ملايين لتر يومياً، وهو ما جعل انتظام الاستيراد عاملاً مؤثراً في استقرار التجهيز. وأضاف أن الظروف الإقليمية الراهنة وما رافقها من مخاطر أمام حركة الملاحة والناقلات عبر مضيق هرمز انعكست على مرونة وصول الشحنات وتوقيتاتها، الأمر الذي ظهر سريعاً في السوق المحلية، مؤكداً أن الوزارة تتحرك لتوسيع خيارات النقل وتأمين أكثر من مسار لتغطية الاحتياجات الطارئة ومنع تحول أي تأخير في الشحنات إلى نقص في المحطات. وشدد على أن استراتيجية الوزارة لا تتوقف عند تجاوز الشح الحالي، وإنما تستهدف بناء قدرة تكريرية قادرة على تلبية نمو الاستهلاك مستقبلاً، عبر استكمال مشاريع المصافي ورفع إنتاج المشتقات عالية الجودة وتعزيز الخزين، بما يقلل تعرض السوق العراقية لتقلبات الإمدادات الخارجية والأزمات الإقليمية.

الطوابير والأسعار

شكا مواطنون من مناطق مختلفة من العراق، خلال حديثهم لـ”العربي الجديد”، من تداعيات أزمة البنزين وتفاوت حدتها من محافظة إلى أخرى، مؤكدين أن الشح والازدحام أمام المحطات أسهما في تنشيط بيع الوقود خارج المنافذ الرسمية في بعض المناطق، فيما برزت في إقليم كردستان مشكلة أخرى تتعلق بفارق الأسعار بين البنزين المدعوم والأنواع التجارية.
وقال سلام محمد، من بغداد، إن الحصول على البنزين أصبح يستغرق وقتاً أطول من المعتاد، وإنه اضطر إلى التنقل بين أكثر من محطة قبل أن يتمكن من تعبئة سيارته، وسط طوابير طويلة تدفع بعض أصحاب المركبات إلى البحث عن طرق أسرع للحصول على الوقود.
وأضاف محمد أن الأزمات المتكررة توفر بيئة لعودة باعة البنزين خارج المحطات، المعروفين محلياً في بعض المناطق بـ”البحارة”، إذ يعرض بعضهم الوقود بأسعار أعلى مستفيدين من حاجة السائقين وعدم قدرتهم على الانتظار.
وفي الأنبار، قال المواطن عثمان صلاح إن البنزين العادي أكثر توافراً، بينما تركزت المشكلة في الحصول على البنزين المحسن، ما اضطر أصحاب بعض المركبات إلى البحث عنه في أكثر من محطة أو اللجوء إلى الوقود العادي مؤقتاً. وأوضح صلاح أن أي نقص أو تأخر في التجهيز ينعكس سريعاً على السوق، إذ يتزايد الإقبال على المحطات بمجرد انتشار أخبار عن احتمال حدوث شح، بالتزامن مع ظهور بائعين يعرضون الوقود خارج القنوات الرسمية بأسعار أعلى، مطالباً بضمان استمرار التجهيز لمنع المضاربة واستغلال حاجة المواطنين.

أما في أربيل، فقال المواطن أحمد صبحي أن أزمة البنزين تحمل أعباء مختلفة عن بقية المحافظات، إذ يبلغ سعر لتر البنزين الحكومي المدعوم 750 ديناراً، بينما يرتفع سعر العادي التجاري إلى 850 ديناراً، والمحسن إلى 1000 دينار، والسوبر إلى 1200 دينار، ما يجعل فارق الكلفة ملموساً بالنسبة إلى أصحاب المركبات، لا سيما من يستخدمونها يومياً في العمل.
وأضاف صبحي أن محدودية الكميات المدعومة تدفع كثيراً من المواطنين إلى الانتظار للحصول عليها وتجنب شراء الأنواع التجارية الأعلى سعراً، فيما يضطر آخرون إلى دفع الفارق عند حاجتهم اليومية إلى الوقود، معتبراً أن المشكلة في أربيل لا ترتبط بتوفر البنزين وحده، وإنما بكلفته أيضاً، خصوصاً بالنسبة إلى سائقي الأجرة وأصحاب الدخل المحدود.

خلل في منظومة التكرير

وفي السياق، يرى الخبير النفطي أحمد عسكر أن أزمة الوقود الحالية لا ترتبط فقط بتأخر الشحنات المستوردة، وإنما تكشف خللاً أعمق يتمثل في بقاء الإنتاج المحلي دون مستوى الطلب، لا سيما البنزين عالي الأوكتان، ما يجعل السوق عرضة لأي اضطراب في الاستيراد أو حركة الناقلات.
وقال عسكر، إن الفجوة البالغة نحو خمسة ملايين لتر يومياً تعني أن قرابة 14% من حاجة السوق لا تزال مرتبطة بالإمدادات الخارجية، وهي نسبة كافية لإحداث ضغط سريع على التجهيز عند تعطل الاستيراد، لافتاً إلى أن المشكلة لا تتعلق بطاقة التكرير الإجمالية وحدها، وإنما بقدرة المصافي على إنتاج الكميات والنوعيات التي يحتاجها الاستهلاك المحلي، بالتزامن مع نمو أعداد المركبات وارتفاع الطلب على الوقود.
وأضاف أن المعالجة تتطلب الإسراع بتشغيل وحدات التكسير والتحسين، ورفع كفاءة المصافي، وتعزيز الخزين الاستراتيجي وتنويع مسارات الاستيراد مؤقتاً، وصولاً إلى تحقيق فائض إنتاجي محلي يستوعب نمو الطلب ويحد من تعرض السوق للصدمات الخارجية.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد